الصفحات


 

موت رأس المنافقين

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره  . ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا .. واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه .. بلغ الرسالة وأدي الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة .  أما بعد ............

أيها الأخوة المؤمنون: نكمل معكم سلسلة القصص في سيرة الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم ..  وكما قلنا من قبل الحديث في السيرة ليس عبارة عن قصص للتسلية وتضييع الوقت إنما هي للعبر والدروس ،

أيها الأخوة المؤمنون : تحدثنا في خطب سابقة عن قصة الثلاثة الذين خلفوا ، وفى هذه الخطبة سوف نتحدث بإذن الله تعالى عن موت رأس المنافقين عبد الله بن أبى بن سلول عليه لعنة الله ..

أعلن بن سلول إسلامه ، وأخفى كفره وكيده للاسلام والمسلمين ، ولكن زلات لسانه كانت تخرج ما بداخله من عداوة ،

متى مات ؟؟ في شهر شوال من السنة التاسعة للهجرة ، وبعد آخر غزوات رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، وهى غزوة تبوك ،  وارى التراب جثمانَ رجلٍ كان من أشدّ الناس عداوة للإسلام وأهله ، وكان  مصدر قلقٍ ومنبع شرٍّ للمجتمع الإسلامي بأسره ، إنه زعيم النفاق عبدالله بن أبي بن سلول عليه لعنة الله ...إنه صاحب ومؤسس  ظاهرة النفاق ، فكان الناس قبل ذلك إما مؤمناً صادقا ، أو كافراً ظاهرا ، فلم تظهر ظاهرة النفاق إلا بعد ظهور ابن سلول فهو أخطر من الكفر الظاهر ،

لماذا هذا العداء للاسلام والمسلمين ؟؟ قبل هجرة النبى (ص) الى المدينة اتفق الاوس والخزرج على تنصيب ملكا عليهم ، فاختاروا عبد الله بن ابى بن سلول ملكا وزعيما عليهم لأنه كان ذو شأن ومكانة في قومه ، ولكن لما هاجر النبى (ص) الى المدينة اتبعه الاوس والخزرج ، فضاع بذلك الملك الذى كان يحلم به بن سلول ، فأصبح حاقدا على الإسلام والمسلمين ،

لماذا أسلم عبد الله بن أبى بن سلول أو تظاهر بالإسلام ؟؟  في معركة بدر قتل صناديد كفار قريش، فقال بن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه (أي ظهر وبان) وقوي الإسلام وقام عموده، فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام ، فأسلموا في الظاهر... لقد اضطر بن أبي وأمثاله أن ينتقلوا من العداوة الجهرية للدين إلى العداوة السرية، والكيد للإسلام وأهله ... وكان يتظاهر بالحرص على مصلحة المسلمين ،  ولو اختار بن سلول الكفر الظاهر لخسر طاعة قومه له ، وخسر هيبته ، ولكنه أسلم في الظاهر وظل على كفره وعدائه للاسلام والمسلمين ، فكرّس حياته لتقويض دعائم الإسلام ودولته ، والتفريق بين المسلمين ، وقد تفنّن في صنع الافتراءات واختلاق الفتن ،

وبعد جلسة الاستراحة نكمل الحديث ... أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم .

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين ، ولا عدوان إلا علي الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له  ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الأمين ، صلي الله عليه وعلي آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين . أما بعد ..

أيها الاخوة المؤمنون : نكمل معكم قصة المنافق عبد الله بن أبى بن سلول ..

 كم عام قضاها هذا المنافق بين المسلمين ؟؟ لقد قضى هذا المنافق سبع سنوات في النفاق منذ ان هاجر النبى (ص) الى المدينة حتى وفاته ، وله مواقف كثيرة ضد الإسلام والمسلمين ، فيوم أحد انسحب هذا المنافق بثلاثمائة من أصحابه قبيل لقاء المسلمين بالعدو ، وبعد انتصار المسلمين على يهود بني قينقاع سارع ابن سلول في الشفاعة لحلفائه كي لا يقتلهم رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فجاء إليه وقال : " يا محمد ، أحسن في مواليّ " ، وكرّر ذلك على النبي – صلى الله عليه وسلم – وأمسكه من ثيابه حتى ظهر الغضب في وجه النبي عليه الصلاة والسلام ،وفي غزوة بني النضير قام هذا المنافق عبدالله بن أبي بن سلول بتحريض حلفائه من اليهود على قتال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وعدم الاستسلام له ، ووعدهم بالنصرة والمساعدة ، فأعلنوا الحرب ، وانتهى بهم الأمر إلى الجلاء من المدينة. وفي غزوة بني المصطلق ، استطاع ابن سلول - بدهاء ومكر شديدين - أن يحيك مؤامرة دنيئة للطعن في عرض خير نساء النبي – صلى الله عليه وسلم - عائشة رضي الله عنها ، وظل المسلمون يكتوون بنار هذه الفتنة شهراً كاملاً حتى نزلت الآيات الكريمات من سورة النور لتفصل في القضية وتبرىء السيدة عائشة (ض) ، ويوم تبوك كان ابن سلول العقل المدبّر لفكرة " مسجد الضرار " ، وهو مسجد أسّسه المنافقون ليكون مقرّهم السرّي الذي تصدر منه الفتن وتصنع فيه الأراجيف لإثارة البلبة بين المسلمين .

وفى غزوة بني المصطلق أو غزوة المريسع  فقد ظهرت مواقف دنيئة من هذا الرجل ، فقد حدث مزاح بين رجلين ، أحدهما من المهاجرين والآخر من الأنصار ، مزح أحدهما مع الآخر فحصل بينهما شجارورفع  لشعار الجاهلية فلما أنكره النبي ﷺ ، ماذا قال عبد الله بن أبي ؟؟  لما سمع القصة قال أوقد فعلوها هؤلاء المهاجرون !! كاثرونا في بلدنا ، وصاروا يأكلون من خيراتنا ، ثم يريدون أن يطغوا علينا ، فأراد هذا المنافق أن يحيي العصبية ويعيدها جاهلية ، فقال: (لئن لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ) . وقال أيضًا: { ... لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا ... }أي امنعوا الأموال عنه وعن أصحابه لا تعطوه زكاة ولا غيرها ، فيضطر الناس للانفضاض عنه ، والأعراب الذين يأتون للمال لا يأتون ، فلما سمع بذلك عمر (ض) قال : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق ، فقال النبي ﷺ: دعه حتى لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ....  أما إبنه عبد الله ماذا قال لأبيه عبدالله ابن أبى ، فقد حبسه على باب المدينة (أي منعه من دخول المدينة) وقال لأبيه: "والله لا تنقلب (أي لا تدخل المدينة) حتى تقر أنك الذليل ورسول الله ﷺ العزيز" ففعل رغما عنه ،

كان ابن أبى جاسوس وخائن للمسلمين ، فكان يجلس مع النبى (ص) وينقل أخباره وأسراره لليهود في المدينة ، قال تعالى : { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ }

ومن صفات عبد الله بن أبي وأصحابه؟ {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } ، وكانوا يحرضون الكفار على المسلمين قال تعالى : {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } الحشر 11  وكانوا يوالون الكفار واليهود ، قال تعالى : (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً{138} الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً{139} ،

لقد كان أولئك المنافقون بقيادة عبد الله بن أبي يتخلفون عن الجهاد ، ويصانعون أعداء الله، وكانوا يعتذرون للنبي ﷺ  بالأعذار القبيحة ، والغريب والعجيب كانت تنزل الآيات وتفضح أقوالهم وأفعالهم التي كانت سرا وليست جهرا ، ولكن لايتعظون ولايرجعون عن أفعالهم ...

لماذا صبر عليه النبى (ص) ولم يأمر بقتله ؟؟  وقد يتساءل البعض عن موقف النبي – صلى الله عليه وسلم – من ابن سلول ، كيف تحمّله طيلة هذه السنوات ولم يأمر بقتله ؟ ، والجواب أن النبي – صلى الله عليه وسلم – خشي أن يُشاع بين القبائل أن محمدا يقتل أصحابه ، و سببٌ آخر هو أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان حريصاً على وحدة الصف الداخلي ، خصوصاً في المراحل الأولى من قدومه إلى المدينة ،  كما أن الصبر على أذى ابن سلول أظهر حقيقته من خلال تصرّفاته ومواقفه ، وقد أثمر هذا الصبر ، حيث وجد ابن سلول العتاب والبغض في كلّ موقفٍ من مواقفه ، وهذا البغض لابن سلول ممن كانوا يرغبون في تتويجه ملكاً عليهم في السابق ، فنبذه أهله وأقرب الناس إليه ، حتى ولده عبدالله بن عبدالله بن أبي رضي الله عنه ، والذي كان من خيرة الصحابة ، فقد قال يوماً للنبي – صلى الله عليه وسلم - : " يا رسول الله ، والذي أكرمك ، لئن شئت لأتيتك برأسه " ، فقال له : ( لا ، ولكن برّ أباك وأحسن صحبته ) رواه البزار .

ماذا حدث قبل موت عبد الله بن أبى بن سلول ؟؟ في أواخر شهر شعبان يسقط هذا المنافق على فراشه ويقاسي آلام المرض وشدّة الموت ، ولكن النبي – صلى الله عليه وسلم – لا يكفّ عن زيارته والسؤال عن حاله بالرغم من عداوته له ... ولعل النبي – صلى الله عليه وسلم – أراد بذلك أن يتألف قلب هذا المنافق ، لعلّه يلين إلى ذكر الله ، والقلوب بين أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء ، ولعل اتباعه المنافقين يعودون ويرجعون الى الله ......  فلَمّا تُوُفِّيَ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، جاءَ ابنُهُ إلى رَسولِ اللَّهِ (ص)  فَقالَيا رَسولَ اللَّهِ، أعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فيه وصَلِّ عليه ، واسْتَغْفِرْ له. (إنما فعل ذلك إبنه كنوع من البر بأبيه ، ولعل ذلك أن يخفف عليه من العذاب) ، فأعْطاهُ (ص) قَمِيصَهُ، وقالَ: إذا فَرَغْتَ منه فَآذِنّا فَلَمّا فَرَغَ آذَنَهُ به، فَجاءَ النبى (ص) لِيُصَلِّيَ عليه، فَجَذَبَهُ عُمَرُ فَقالَ: يا رسول الله أليسَ قدْ نَهاكَ اللَّهُ أنْ تستغفر للمُنافِقِينَ، فَقالَ﴿اسْتَغْفِرْ لهمْ أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لهمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لهمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لهمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فقال النبى (ص) إن الله خيرنى في الاستغفار لهم فقال : اسْتَغْفِرْ لهمْ أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لهمْ  والله لو علمت أنى زدت على السبعين ليغفر الله لهم لزدت ،  ثم نزلت الآية  ﴿وَلا تُصَلِّ على أحَدٍ منهمْ ماتَ أبَدًا، ولا تَقُمْ على قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا باللَّهِ ورَسولِهِ، وماتُوا وهُمْ فاسِقُونَ﴾  ، فما صلى رسول الله ﷺ على منافق بعده حتى قبضه الله ، وبموت عبدالله بن أبي بن سلول انحسرت حركة النفاق بشكل كبير ، وتراجع بعض أفرادها عن ضلالهم ، في حين اختار البعض الآخر البقاء على الكفر الذي يضمرونه ، والنفاق الذي يظهرونه ، لا يعرفهم سوى حذيفة بن اليمان (ض) صاحب سرّ رسول الله (ص) ..

اللهم صلِّي وسلّم وبارك علي عبدك ورسولك محمدا، وارضَ اللّهمّ عن خلفائه الراشدين الأئمّة المهديّين: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، ومَن تبِعهم بإحسانٍ إلي يومِ الدّين، واجعلنا معهم بمنّك وفضلك وجودك وإحسانك وكرمِك يا أرحم الراحمين .

- اللّهمّ أعزَّ الإسلام والمسلمين. وأذلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداءَ الدين، واجعَل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين ... اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه وصلي الله علي سيدنا محمد وعلي اله وصحبه وسلم ...- أيّها المسلمون إن الله يأمركم بثلاثة وينهكم عن ثلاثة ....  {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَي وَيَنْهَي عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90اذكروا الله واقم الصلاة ...

Post a Comment

أحدث أقدم