حجة الوداع
إن الحمد
لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره .
ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل
فلن تجد له وليا مرشدا .. واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان
محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه .. بلغ الرسالة وأدي الأمانة ونصح الأمة
وكشف الله به الغمة . أما بعد
............
أيها
الأخوة المؤمنون: نكمل معكم سلسلة القصص في سيرة الحبيب المصطفي صلي الله عليه
وسلم .. وكما قلنا من قبل الحديث في
السيرة ليس عبارة عن قصص للتسلية وتضييع الوقت إنما هي للعبر والدروس ،
أيها
الأخوة المؤمنون : تحدثنا في خطب سابقة عن موت رأس المنافقين عبد الله بن
أبى بن سلول عليه لعنة الله ، وفى هذه الخطبة سوف نتحدث بإذن الله تعالى عن حجة
الوداع ..
لحجة الوداع عدة أسماء ... سميت حجة الوداع ؛ لأنه (ص) ودع الناس فيها، ولم يحج بعدها، كما سميت حجة
الإسلام؛ لأنه (ص) لم يحج من المدينة غيرها، وسميت حجة البلاغ؛ لأنه (ص) بلغ الناس
شرع الله في الحج قولا وفعلا، ووضح لهم أمور دينهم ، ووضح لهم شعائر الحج ، ... قبل
حجة الوداع ، تمت أعمال الدعوة، وإبلاغ الرسالة، وبناء مجتمع جديد على أساس لا إله
الا الله ، محمد رسول الله ﷺ ، وكأن هاتفا
خفيا انبعث في قلب رسول الله ﷺ، يشعره أن بقائه في الدنيا قد أوشك على النهاية ،
حتى إنه حين بعث معاذا على اليمن سنة ١٠ هـ قال له فيما قال: «يا معاذ، إنك عسى ألاتلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر
بمسجدي هذا وقبري» فبكى معاذ لفراق رسول الله ﷺ.
أعلن النبيّ ﷺ
بقصده لهذه الحجة المبرورة المشهودة ، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم
برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله ، فخرج من
المدينة في يوم السبت الخامس والعشرون من
ذي القعدة. وقد اجتمع حوله مائة ألف وأربعة وعشرون أو أربعة وأربعون ألفا من
الناس، فقام فيهم خطيبا، وألقى هذه الخطبة الجامعة. “أيها
الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا ”
“إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا
كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من
دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث- وكان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل- وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد
المطلب، فإنه موضوع كله” . “ واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ،
واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن ألايوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن
ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح،( ومعنى ذلك ألا يُدخلن إلى بيوتكم شخصًا تكرهونه أو
لا ترضون عنه.) ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد
تركت فيكم إن اعتصمتم به لن تضلوا بعده ابدا ، كتاب الله ” “ أيها الناس، إنه لا
نبيّ بعدي، ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم ، وصوموا شهركم، وأدوا
زكاة أموالكم، طيبة بها أنفسكم، وتحجون بيت ربكم، وأطيعوا أولات أمركم ، تدخلوا
جنة ربكم ” “وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟” قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت
ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، ويوجهها إلى الناس: “اللهم فاشهد”
. ثلاث مرات”..
وبعد
جلسة الاستراحة نكمل الحديث ... أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم .
الخطبة الثانية
الحمد
لله رب العالمين ، ولا عدوان إلا علي الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده
لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله، الصادق الأمين ، صلي الله عليه وعلي آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، ومن
تبعهم بإحسان إلي يوم الدين . أما بعد ..
أيها
الاخوة المؤمنون : نكمل معكم حجة الوداع ....
بعد أن فرغ
النبيّ ﷺ من إلقاء الخطبة نزل عليه قوله تعالى: {
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي،
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً } [المائدة: ٣] ، بعد نزول هذه الآية
فرح الناس بكمال الدين وتمام النعمة ورضا الله عليهم بالإسلام ، أما عمر (ض) لما
سمع هذه الآية بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان . وفهم
أن مهمة النبى (ص) قد انتهت ، وأن
هذا إعلان غير مباشر بقرب وفاة رسول الله ﷺ
، وبعد الخطبة أذن بلال ثم أقام، فصلى رسول الله ﷺ بالناس الظهر، ثم أقام
فصلى العصر، ولم يصلّ بينهما شيئا،
وفى يوم النحر
مر (ص)على بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم ، وكان
بني عبد المطلب هم القائمون على سقاية الحُجّاج من بئر زمزم فقال (ص) : “انزعوا يا بني
عبد المطلب (أي استخرجوا الماء من زمزم) فلولا أن
يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه “( ومعنى ذلك
، أى استمروا يا بنى عبد المطلب في سقي الناس واستخراج الماء، ولولا أن الناس قد يزاحمونكم ويأخذون هذا
العمل منكم لو شاركتكم فيه، لشاركتكم
في نزع الدلو بنفسي ، ... وخطب
النبيّ ﷺ يوم النحر– عاشر ذي الحجة- حين ارتفع الضحى، وهو على بغلة شهباء، وعلي يبلغ
عنه (أي يردد مايقول بصوت عالى حتى يسمع الناس) ، والناس بين قائم وقاعد . وأعاد في خطبته هذه بعض ما كان ألقاه بالأمس
في عرفات ، فقد روى الشيخان عن أبي بكرة قال: خطبنا النبيّ ﷺ يوم النحر، قال: “إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض ، السنة
اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب
مضر الذي بين جمادى وشعبان” . وقال: “أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت
حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى يا رسول الله .
قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه،
قال: أليست البلدة مكة؟ قلنا: بلى يا رسول الله. فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله
أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى يا
رسول الله. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في
بلدكم هذا، في شهركم هذا” “وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي
ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض” . “ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم فاشهد. فليبلغ
الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع” وفي رواية أنه قال في تلك الخطبة: “ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ألا لا يجني جان على ولده، ولا
مولود على والده، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا أبدا، ولكن ستكون له
طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم، فسيرضى به”
أقام (ص) أيام
التشريق بمنى يؤدي المناسك ويعلم الشرائع، ويذكر الله، ويقيم سنن الهدي من ملة
إبراهيم، ويمحو آثار الشرك ومعالمها، وقد شاء الله أن يرى رسوله ﷺ ثمار دعوته، التي عانى في
سبيلها ألوانا من المتاعب بضعا وعشرين عاما، فيجتمع في أطراف مكة بأفراد قبائل
العرب وممثليها، فيأخذوا منه شرائع الدين وأحكامه، ويأخذ منهم الشهادة على أنه أدى
الأمانة ، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة..
ثم طاف بالبيت
طواف الوداع . ولما قضى المناسك أمر الناس بالعودة إلى المدينة ، لا ليأخذ حظا من
الراحة ، بل ليستأنف الكفاح والكدح لله وفي سبيل الله.
اللهم
صلِّي وسلّم وبارك علي عبدك ورسولك محمدا، وارضَ اللّهمّ عن خلفائه الراشدين
الأئمّة المهديّين: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، ومَن
تبِعهم بإحسانٍ إلي يومِ الدّين، واجعلنا معهم بمنّك وفضلك وجودك وإحسانك وكرمِك
يا أرحم الراحمين .
-
اللّهمّ أعزَّ الإسلام والمسلمين. وأذلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداءَ الدين،
واجعَل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين ... اللهم أرنا
الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه وصلي الله علي سيدنا
محمد وعلي اله وصحبه وسلم ...- أيّها المسلمون إن الله يأمركم بثلاثة وينهكم عن
ثلاثة .... {إِنَّ
اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَي وَيَنْهَي
عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90اذكروا
الله واقم الصلاة ...

إرسال تعليق