معانى سورة الفاتحة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره . ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات
أعمالنا . من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا . واشهد أن لا
اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه .
بلغ الرسالة وأدي الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة وتركنا علي المحاجة
البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ... أما بعد
أيها الاخوة : نتحدث اليوم عن معانى سورة
الفاتحة ...
لو سئل المرءُ
أيَّ سورةٍ في كتابِ اللهِ -تعالى- أعظم؟ لوجدَ أنَّها فاتحة الكتاب؛ فهيَ السبعُ
المَثاني وهي الَّتي أمرَ اللهُ -تعالى- بقِراءَتِها في الصلاة ؛ فيحفظُها الصغيرُ
والكبير، ولا تصح صلاة المرءُ الابها ، ففيها تعظيم ودعاء لرب العالمين ...
هذهِ السورةُ
ورد في فضلها الكثير ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أُنْزِلَ فِي
التَّوْرَاةِ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ، وَلَا فِي
الْفُرْقَانِ مَثَلُهَا، إِنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ
الَّذِي أُعْطِيْتُ"(رواه النسائي) .
وقال عليه
الصلاة والسلام: "لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ
بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ"(متفق عليه).
وفي صحيح مسلم:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "قَالَ اللهُ -تعالى-: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ
بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ
الْعَبْدُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قَالَ
اللهُ -تعالى-: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: (الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ) قَالَ اللهُ -تعالى-: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:
(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) قَالَ: مَجَّدَنِي
عَبْدِي فَإِذَا قَالَ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي ، فَإِذَا
قَالَ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ
الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا
الضَّالِّينَ) قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ".
فالنصف الأول تعظيم وثناء على الله (س) ، والنصف الثانى دعاء الى الله (س) .
إنَّ فاتحةَ
الكتاب لها فضلٌ عظيم ولذلك جُعِلَتْ من الرُّقيةِ الشرعيةِ التي يُرقى بها
المريض؛ ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد -رضي الله تعالى عنه - أنهم كانوا في سَفرٍ
ومروا بقبيلةٍ من قبائِلِ العرب، قال: فاستَقرَيناهم فلم يُقرونا؛ أى أنَّ
الصحابةَ طلبوا من أولئكَ القومِ طعام فلم يُعطوهم ، فجلس الصحابةُ بالقرب منهم ،
فلُدِغَ سيدُ القومِ ، فأقبلت جاريةٌ منهم وقالت: إنَّ سيدَ القومِ لُدِغ؛ فهل
فيكم من راقٍ؟ هل فيكم من يَرقي ويُعالجُ من اللدغةِ؟ قال أبو سعيد: فقلت أنا، ثم قمت إليهِ ، وجعلتُ
أقرأُ سورةَ الفاتحةِ وأنفُثُ عليهِ ؛ فقرأتُها عليهِ فقامَ -واللهِ- ليسَ بهِ
بأسٌ، فلما رَجَعنا إلى رسولِ اللهِ -عليه الصلاة والسلام - أخبرتُهُ بذلكَ فقال
-عليه الصلاة والسلام -: "وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا
رُقْيَةٌ" قالها -عليه الصلاة والسلام-؛ إعجاباً بفعلهِ وإقراراً
بصوابهِ ...
وبعد جلسة الاستراحة نكمل الحديث .. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي
ولكم ....
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا علي الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا
الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الأمين، صلي الله
عليه وعلي أله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين. أما بعد
... نكمل معكم الحديث عن معانى سورة الفاتحة :
أيُّها الإخوةُ
المؤمنون: لا زلنا في رحاب هذه السورة العظيمة، نعم. إنَّها فاتحةُ الكتابِ، وهيَ
أمُّ القرآن، وهي أساسُ الصلاةِ ، فتعالوا نقفُ على بعضِ معانيها ...
يقول الله -جل
وعلا-: (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم): بسم
الله هي بداية كل عمل ، لأن كل عمل تفعله لابد أن يبدأ بإسم الله ، فأمرَكَ اللهُ (س) أن يكونَ اسمُهُ -جل وعلا-
مُصاحباً لكَ في كلِّ أحوالِك، فإذا أردتَ أن تأكُلَ الطعامَ قُلتَ: بسمِ الله، (متفق عليه)، وإذا خرجتَ من بيتِكَ قلتَ: "بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ
وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"(رواه أحمد)، وإن وَضَعتَ رأسَكَ
لِتنامَ قلتَ بِاسمِكَ ربي وضعتُ جَنبي وبِكَ أرفَعُهُ، متفق
عليه، ففي كلِّ حركاتك احرِصْ على أن تبدأ بقول بِسمِ الله ..
ثم قالَ اللهُ
-تعالى-: (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين) الحمدُ
يعني: الشكرُ المتواصِلُ، الحمدُ للهِ على العافيةِ ، الحمد لله على المالِ ،
الحمدُ للهِ على الزوجةِ، الحمد لله على الوَلد، الحمد لله أن سَتَرَني وأنا
أعصيهِ ولم يَفضَحْني، الحمد للهِ أن جعلَ لي إخواناً وأخوات، الحمد لله الذي
أطعَمَني، الحمد لله الذي سَقاني، الحمد لله الذي عافاني، يقول عليه الصلاة
والسلام: "وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ
الْمِيزَانَ"(رواه مسلم). أخى المسلم : قل الحمد لله في السراء
والضراء : فإن أصابَتْكَ مصيبةٌ قل الحمد لله أنَّ اللهَ قدَّرَها ليَأجُرَني
عليها ، وإن جاءَتْكَ نِعمةٌ قُلِ الحمدُ للهِ الذي أكرَمَني بها ، فلا يُحمدُ على
المكروهِ والمحمودِ إلّا اللهُ -تعالى-؛
(رَبِّ
الْعَالَمِين) هو ربُّ كل شىء؛
فهو رب السموات والارض والجبال والبحار والغيوم والحيونات والدواب والانس والجن
والشمس والقمر والنجوم {فَلِلَّهِ
الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }الجاثية36
ثم قال -جل
وعلا-: (الرَّحْمنِ الرَّحِيم) ، (الرَّحْمنِ
الرَّحِيم) قيل: إنهما وصفٌ واحدٌ للرحمة ، فكلاهما يتضمنُ الرحمةَ إلّا أنَّ
الرحمنَ مبالغةٌ من الرحيم؛ ، ووصف الرحمن لايجوز أن يوصف به الا الله ، فيوصف
الرسول (ص) بالرحيم ، قال الله تعالى : {لَقَدْ
جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ
عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }التوبة128 وقد يسمى شخص رحيم ، أما الرحمن فلا يجوزُ أبداً أن تُسميَ إنساناً
رحماناً فهو -سبحانه وتعالى- الرحمنُ العظيمُ -جلَّ في علاه-.قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}[طه: 5]، وقال
تعالى:{ثُمَّ
اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا}[الفرقان:59].
ثم قال الله -جل
وعلا-: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّين)، ويومُ
الدين: هو يوم القيامة ، هو اليومُ الذي يجمعُ اللهُ -تعالى- فيه الخلائِقَ كلَّها
بينَ يديهِ (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ
الْوَاحِدِ الْقَهَّار)[غافر:16]،
فهو -سبحانه
وتعالى- مَالِكِ يَوْمِ الدِّين وملك يومَ الدين، العظمةُ له وحدَهُ -جل وعلا- قال
الله تعالى : (وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ
فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا)[طه:108]
ومادامَ أنكَ يا
ربِّ رحمنٌ ورحيمٌ، ومادامَ أنكَ العظيمُ الملكُ إذن أنتَ يا الله تستحقُّ
العبادةَ وحدك دونما أحد سواك؛ فلهذا جاءت الآيةُ التي بعدَها:
(إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين)؛ (إياك
نعبد) ، فالعبادةُ لكَ وحدَكَ –سبحانَكَ-؛ فلا يجوزُ أن يُحلَفَ إلا بِكَ،
ولا يجوزُ أن يُصلَّى إلّا لكَ، ولا يجوز أن يُذبَحَ إلّا تَقَرُّباً إليك؛ فلا
أتَقَرَّبُ إلى قبرٍ ولا أطوفُ على قبرٍ ولا أدعو إلَّا اللهَ -تعالى- مهما قيل عن
هذا الوليِّ المدفون أو عن ذلك الرجلِ الصالحِ (فَادْعُوا
اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)[غافر:14] توجّه بقلبِك إلى الله
-تعالى-، ولا تَجعل بينَك وبينَ اللهِ -تعالى- وسائِل من أضرحةٍ وأولياءَ ، فلا
يُفلحُ يوم القيامةِ إلّا من كانَ مُوَحِّداً لله، من كان إيمانه خالِصاً للهِ
-سبحانه وتعالى- ، (وإِيَّاكَ نَستعين) فهل يستطيع
الانسان أن يعيش من غيرِ عونِ اللهِ له؟ هل يستطيعُ أن يمشيَ من غير عونِ اللهِ
له؟ هل يستطيع أن ينامُ من غير عونِ الله له ؟ هل يستطيع أن يأكلُ من غيرِ عونِ
الله له ؟ هل تستطيع أن تقودُ سيارَتك من غير عون الله لك؟ هل تتكلمُ هل تُبصرُ هل
تسمعُ من غير عون الله لك؟ كلا، ولذلك قال: (وإِيَّاكَ نَسْتَعِين) يا ربِّ لا
أستطيعُ أن آكُلَ إلّا إن أعنتَني وقَدَّرتَني على ذلك، ولا أنامُ ولا أهتَدي ولا
أقومُ ولا أقعدُ ولا أتحرَّكُ إلا بإعانَتِكَ يا ربَّ العالمينَ؛ فيا ربِّ أعنِّي
على ذلكَ كُلِّهِ.
ثم قال -جل
وعلا-: (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم) أمَرَنا
اللهُ بِطَلَبِ الهدايةِ منهُ: يا ربِّ اهدِني (الصِّرَاطَ المُستَقِيم) اهدِني
لِأُصَلِّي فهي: (الصِّرَاطَ المُستَقِيم) اهدِني لأذكُرَكَ فهو (الصِّرَاطَ
المُستَقِيم) اهدِني وَفِّقْني لأتَصَدَّقَ، اهدِني: دُلَّني فهو: (الصِّرَاطَ
المُستَقِيم) اهدِني لأبِرَّ والِدَيَّ فهو: (الصِّرَاطَ المُستَقِيم) اهدِني
لأكُفَّ لِساني عن الحرامِ وسَمعي وبَصَري عن الحرام ويَدي ورجلي يا ربَّ العالمين
يا ربِّ اهدِني (الصِّرَاطَ المُستَقِيم). طريق الاستقامة
فإذا طلب العبد
الهداية الى الصراط المستقيم بصدق وإخلاص ، فسيهديه الله (س) لذلك .
(صِرَاطَ
الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) هؤلاءِ
الذينَ أنعَم َاللهُ عليهم، لم يَقُلْ اللهُ: صراطَ الذينَ أطاعوكَ، فإن صَلَّيتَ
فهيَ نعمةٌ من اللهِ عليكَ، إن وَحَّدْتَ اللهَ فهيَ نعمةٌ من اللهِ عليكَ، إن
صُمتَ فهي نعمةٌ من اللهِ -تعالى- عليك، ولو شاءَ اللهُ لجعلَكَ عابِداً للأوثانِ
أو للبَقَرِ أو للأصنامِ، لكنَّهُ -سبحانه- امتَنَّ عليكَ ووَفَّقَكَ للتوحيدِ.
(غَيرِ
المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين) المغضوبُ عليهم: هم اليهود ، وغضب الله عليهم لأنهم عرفوا الحق وحادوا
عنه ، وعرفوا الصراط المستقيم ولكن تَعمدوا أن يَنصرِفوا عنه قال -تعالى-:
(فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ)[البقرة:90]
فهم (المغضوبِ عليهم) أما الضالين فهم النصارى فهم ضالُّون عن (الصراط المستقيم) ،
لأن النصارى اشتَبَهت عليهم الطُّرُقُ وصنعوا طُرُقاً من عندِهم يُريدونَ بها
التَّوَصُّلَ إلى ربِّهم فَضَلوا عن الصراطِ المستقيم ،
ثم يقولُ العبدُ
"آمين" ، وآمينَ بمعنى اللهمَّ اسْتَجِبْ...
فالفاتحة أولها
بسملة واسفتاح بإسم الله الأعظم ، ثم حمدا لله ، ثم إقرار بربوبية الله للكون، ثم
تعظيم لله بأنه الرحمن الرحيم ، وهو مالك الملك ، ثم بيان العلاقة بين الله وعباده
المؤمنين وهى العبادة لله والاستعانة به وحده ، ثم الدعاء من العبد المؤمن لله
وطلبه الهداية الى الصراط المستقيم ، والصراط المستقيم هو صراط الذين أنعم الله
عليهم لا هم من اليهود ولا من النصارى ، ثم يقول العبد آمين أي اللهم استجب ....
اللهم اهدنا
الصراط المستقيم ، اللهم اهدنا الصراط المستقيم ، اللهم اهدنا الصراط المستقيم .
اللهم آمين .... وصلى اللهم على على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين ))
أيّها
المسلمون إن الله يأمركم
بثلاثة وينهاكم عن ثلاثة
{إِنَّ
اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَي وَيَنْهَي
عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90اذكروا الله واقم الصلاة

إرسال تعليق