الصفحات

رسالة الانبياء

الصدق وفضائله

الحمدُ لله الصَّادقِ في قوله، الهادي إلي سبيله، مَدَحَ الصادقينَ في مُحْكَم تنزيله، وذمَّ الكاذبينَ في شرائِعِ دينه. ، فجعلَ الصدقَ صفةً لأوليائِهِ،  وجعلَ الكذبَ طبيعةً لأعدائه، فخصَّ بالصدقِ الأنبياءَ والصالحين ، وخص بالكذب الأشقياءَ والمنافقين .. وأشهد أن لا إله إلا الله، القائلُ في كتابه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّـهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ). وأشهد أنَّ محمداً عبـــده ورسوله، القائلُ: « عليكم بالصدق فإنَّ الصدقَ يهدي إلي البر، وإن البرَّ يهدي إلي الجنة، وما يزالُ الرجلُ يصدقُ و يتحرى الصدقَ حتي يُكتب عند الله صدِّيقاً, وإيَّاكم والكذب، فإنَّ الكذبَ يهدي إلي الفجور، وإن الفجورَ يهدي إلي النار، وما يزال الرجل يكذب و يتحرى الكذب حتي يُكتبَ عند الله كذَّاباً » .

- أيها الإخوة المؤمنون : حديثنا اليوم عن الصدق وفضائله .

- قال الله تعالي : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّـهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ) ..

- أيها الإخوة المسلمون: إنَّ من أجلِّ نعمِ الله تعالي علي العبد المسلم، أن يُحبِّبَ إليه الصـــــدقَ، فلا ترتاحُ نفسُهُ، ولا يهــدأُ ضميرهُ إلا بالصدق،

- وكان الصدق صفة لازمة للرسول صلي الله عليه وسلم، وكان قومه ينادونه بالصادق الأمين منذ صغره .. فالصدق صفة الأنبياء والصالحين ...

- أيها الإخوة المؤمنون : ما هي أنواع الصدق ؟؟

أنواع الصدق: ثلاثة

المسلم يكون صادقًا مع الله وصادقًا مع الناس وصادقًا مع نفسه.

أولا : الصدق مع الله:

وذلك بإخلاص الأعمال كلها لله، فلا يكون فيها رياءٌ ولا سمعةٌ، فمن عمل عملا لم يخلص فيه النية لله لم يتقبل الله منه عمله... فقد ثبت عن أنس مالك (ض)  أن عمه أنس بن النضر لم يشهد بدرًا مع رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فشق ذلك علي قلبه، وقال: أول مشهد شهده رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - غبتُ عنه، أمَا والله، لئن أراني الله مشهدًا مع رسول الله - صلي الله عليه وسلم - ليَرَينَّ الله ما أصنع! قال: فشهد أحدًا في العام التالي ، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا أبا عمر، إلي أين؟ فقال: واهًا لريح الجنة! إني أجد ريحَها دون أُحُد، فقاتل حتي قُتِل، فوُجِد في جسده بضع وثمانون ما بين رمية وضربة وطعنة،.. فقالت أخته الرُّبَيِّع بنت النضر: ما عرفتُ أخي إلا ببنانه، فنزلت هذه الآية: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) [الأحزاب: 23][رواه البخاري].فهذا الصحابي الجليل صدق مع الله .. فأثابه الله الجنة ......

- وقد  ثبت في الحديث الذي أخرجه النسائي وغيره عن شداد بن الهاد - رضي الله عنه - أن رجلاً من الأعراب جاء إلي النبي - صلي الله عليه وسلم - فآمن به واتَّبعه، ثم قال: أهاجرُ معك؟ فأوصي به النبيُّ صلي الله عليه وسلم بعضَ أصحابه، فلمَّا كانت غزوته، غنم النبي صلي الله عليه وسلم ، فقَسَمَ وقَسَمَ له، فأعطي أصحابَه ما قَسَمَ له، وكان يرعي ظهرهم،  فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قَسْمٌ قَسَمَه لك النبي  صلي الله عليه وسلم ، فأخذه فجاء به إلي النبي  صلي الله عليه وسلم ، فقال: ما هذا؟ قال له النبي (ص) : ((قسمته لك))، قال: ما علي هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك علي أن يرمي إلي هاهنا بسهم - وأشار إلي حلقه - فأموت فأدخل الجنة، فقال: ((إن تصدق الله يصدقك))،  فلبثوا قليلاً، ثم نهضوا إلي قتال العدوِّ، فأتي به إلي النبي  صلي الله عليه وسلم  يُحمَل، قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلي الله عليه وسلم : ((أهو فلان؟))، قالوا: نعم، قال: ((صدق الله فصدقه))، ثم كفَّنه النبي  صلي الله عليه وسلم  في جبَّته التي عليه، ثم قدَّمه فصلي عليه، وكان مما ظهر من صلاته: ((اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقُتل شهيدًا، وأنا شهيد علي ذلك)).

ثانيا : الصدق مع النفس:

فالمسلم الصادق لا يخدع نفسه، ويعترف بعيوبه وأخطائه ويصححها، فهو يعلم أن الصدق طريق النجاة، قال صلي الله عليه وسلم: (دع ما يُرِيبُك إلي ما لا يُرِيبُك، فإن الكذب ريبة والصدق طمأنينة) [الترمذي].

ثالثا : الصدق مع الناس: فلا يكذب المسلم في حديثه مع الآخرين، وقد روي أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (كَبُرَتْ خيانة أن تحدِّث أخاك حديثًا، هو لك مصدِّق، وأنت له كاذب) [أحمد].

رابعا : الصدق مع الأطفال :

- ومما يُروي في هذا قولُهُ عليه الصلاة والسلام: « إن الكذبَ لا يصلُحُ منه جدٌ ولا هزْل، ولا أن يعدَ الرجلُ ابنه ثم لا يُنْجزُ له » ، ..... ورأي عليه الصلاة والسلام امرأةً تقولُ لصبي لها : تعال حتي أُعطيكَ، وتشير له بيدها كأن فيها شيئاً، فقال لها رسول الله صلي الله عليه وسلم: « ما أردت أن تُعطيه ؟ قالت: تمراً، فقال: إن لم تفعلي كُتبت عليك كَذْبَةٌ»......  فهكذا عليه الصلاة والسلام يجتث الكذب من أصوله الأولي، فلا يدع بذرته تنمو من أول الأمر، لعلمه عليه الصلاة والسلام أنَّ الكذبَ أصلُ النفاق، وأنَّ الصدقَ أصلُ الإيمان.

-  ومن هنا جاءت الشريعةُ الإسلامية المباركةُ بإلْزام الآباء والأمهات  بالصدق في تعامُلِهِم مع الأطفال حتي لا يعتادَ أحدُهُمُ الكذبَ فيصبحَ طبعاً له،..... ومن المعلوم أنَّ الصدق من الأخلاق الفطرية ...أما الكذب  إنما هو خلقٌ يتعلمُهُ الإنسان  من البيئة الاجتماعية،

خامسا :  الصدق في البيع والشراء :

الصدق في البيع والشراء سبب للبركة في الكسب، والزيادة في الخير، فعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ((البيِّعان بالخيار حتي يتفرَّقا - فإن صدَقا وبيَّنا، بُورِك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا، مُحِقَتْ بركة بيعهما))[رواه البخاري ومسلم].

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم  لي ولكم، إن ربي غفور رحيم.

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا علي الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الأمين، صلي الله عليه وعلي أله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين. أما بعد

- أيها الإخوة المؤمنون : بعد أن تحدثنا عن الصدق .. سوف نتكلم بإذن الله تعالي عن فضائل الصدق ..

- أيها الإخوة المؤمنون : ما هو فضل الصدق ؟ وماهي درجة الصادقين ؟

1- الصدق هو تالي درجة النبوة، فيكفي الصدقَ شرفًا وفضلاً أن مرتبةَ الصدِّيقية تأتي في المرتبة الثانية بعد مرتبة النبوة؛ قال الله - تعالي -: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) [النساء: 69].

2- كما أثني الله علي الصادقين بأنهم هم المتقون أصحاب الجنة، جزاء لهم علي صدقهم، فقال تعالي: {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177].

وقال تعالي: {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم} [المائدة: 119].

3- والصدق طمأنينة، ونجاة في الدنيا والآخرة، قال صلي الله عليه وسلم: (تحروا الصدق وإن رأيتم أن فيه الهَلَكَة، فإن فيه النجاة) [ابن أبي الدنيا].

4- يكتب في الملأ الأعلى صديقا : يقول النبي صلي الله عليه وسلم: (عليكم بالصدق فإنَّ الصدقَ يهدي إلي البر، وإن البرَّ يهدي إلي الجنة، وما يزالُ الرجلُ يصدقُ ويتحرى الصدقَ حتي يُكتب عند الله صدِّيقاً, وإيَّاكم والكذب، فإنَّ الكذبَ يهدي إلي الفجور، وإن الفجورَ يهدي إلي النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتي يُكتبَ عند الله كذَّاباً » .

- فأحري بكل مسلم وأجدر به أن يتأسى برسول الله صلي الله عليه وسلم في صدقه، وأن يجعل الصدق صفة دائمة له ، كما أن الصادق يثني عليه في الملاء الأعلى   لقوله  صلي الله عليه وسلم: ((حتي يكتب عند الله صدِّيقًا))[رواه البخاري ومسلم].

5- الصادق يفوز بمنزلة الشهداء اذا كان صادق النية في الشهادة في سبيل الله ...  قال - عليه الصلاة والسلام -: ((مَن سأل الله الشهادة بصدق، بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات علي فراشه))[رواه مسلم].

- أيها الإخوة المؤمنون : سوف نسوق إليكم قصة واحدة عن الصدق وفوائده

ففي قصة كعب بن مالك (ض) عندما تخلف عن معركة تبوك .. وفيها أن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال لكعب: ((ما خلَّفك؟))، قال: قلت: يا رسول الله،.. إني والله، لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا،.. لرأيت أني سأخرج من سخطِه بعذر..، ولقد أُعطيتُ جدلاً - أي: فصاحةً وقوة في الإقناع - ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتُك اليوم حديث كذب ترضي به عني، ليوشكن الله أن يسخطك عليَّ،... ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليَّ فيه - أي: تغضب عليَّ فيه - إني لأرجو فيه عفو الله،.. والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوي ولا أيسر في حين تخلفت عنك ..، قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: ((أمَّا هذا، فقد صدق))، فلما صدق مع الله ومع رسوله، تاب الله عليه، وأنزل فيه وفي صاحبيه آيات تتلي إلي قيام الساعة، فقال - تعالي -: وَعَلَي الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّي إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ{118} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ{119رواه البخاري ومسلم].

- أيها المؤمنون إن في يوم الجمعة ساعة إجابة لعل الله أن يجعلها توافق دعاءنا .

- اللهم إننا مذنبين فاغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في امرنا .

- اللهم أنا نسألك الصدق في القول والإخلاص في العمل ..

- اللهم تب علينا واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون احسنه. وصلي اللهم علي سيدنا محمد وعلي أله وصحبه وسلم. .

أيّها المسلمون إن الله يأمركم بثلاثة وينهاكم عن ثلاثة

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَي وَيَنْهَي عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90اذكروا الله واقم الصلاة

الصدق وفضائله

الصدق وفضائله

الصدق وفضائله

 

Post a Comment

أحدث أقدم