الصفحات

رسالة الانبياء

 تحريم الظلم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره  . ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا . واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه . بلغ الرسالة وأدي الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة وتركنا علي المحاجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك .           أما بعد      

أيها الإخوة المؤمنون : حديثنا اليوم عن الظلم ومصير الظالم يوم القيامة ..

ما معنى الظلم ؟

معنى الظلم أى الجور ومجاوزة الحد ، والظلم صفة سيئة حرمها الله سبحانه وتعالى على الناس وحرمها على نفسه ، قال رسول الله (ص) فيما يرويه عن ربه في الحديث القدسى ، قال الله تبارك وتعالى: يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا؛ فلا تظالموا... ) ، فالله سبحانه وتعالى لا يظلم أحد ، وحاشى لله أن يظلم أحد ، قال الله تعالى : {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ } ..  

ما هي أنواع الظلم ؟

الظلم ثلاثة أنواع : 1- النوع الأول، ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى .

2- النوع الثاني: ظلم بين الانسان وبين الناس .             3- ظلم بين الإنسان وبين نفسه .

(1) النوع الأول، ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى :

وهو أشد أنواع الظلم ، وهو الكفر والشرك والنفاق ، فمن كفر أو أشرك أو نافق فهو ظالم ،

قال الله تعالى : {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } لقمان13

(2) النوع الثاني: ظلم بين الإنسان وبين الناس : وهذا هو موضوعنا في هذه الخطبة .

(3) أما النوع الثالث من الظلم : فهو ظلم الإنسان  لنفسه :

وهو في الحقيقة يشمل كل أنواع الظلم ، فمن كفر أو أشرك أو ظلم الناس فقد ظلم نفسه وساقها الى الجحيم ، ومن شرب الخمر أو المخدرات أو ترك الصلاة فقد ظلم نفسه .. قال الله تعالى : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }يونس44

وبعد جلسة الاستراحة نكمل الحديث .. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ....

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا علي الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الأمين، صلي الله عليه وعلي أله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين. أما بعد

أيها الإخوة المؤمنون: نكمل معكم الخطبة عن الظلم ومصير الظالم يوم القيامة ...

أخى المسلم : لقد حذر الله (س) من ظلم العباد بعضهم لبعض  ،  قال الله تعالى:  ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ الشورى : 42 فتوعدهم الله (س) بالعذاب الأليم يوم القيامة، ولقد حذر نبيه (ص) من الظلم ، فقال (ص) : " اتَّقوا الظلم؛ فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة، " نعم ... فعند المرور على ظلمة الصراط لا يجد الظالم نور يهتدى به فيسقط في نار جهنم ...

وعن عائشة رضي الله عنها قالت:  أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ظلم قِيد  شبر من الأرض طُوِّقه الله من سبع أرضين " (من ظلم قيد شبر أي قدر شبر) ، (طوقه الله :أي جعل ما اغتصب من الأرض قلادة وطوقاً في عنقه ) ، ولكن للأسف كثير من الناس يستولى على أرض وممتلكات الناس ولا يعتبر .... 

وعن أبي هريرة (رضي الله عنه)  قال : قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم : ((أتدرون من المفلس؟)) قالوا: المفلس فينا من لا درهمَ له ولا متاع، فقال (ص) : ((إن المفلس من أمتى من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيتْ حسناته قبل أن يَقضي ما عليه، أُخذَ من خطاياهم، فطُرحَتْ عليه، ثم طُرِحَ في النار)) . هذا هو مصير الظالم ..

وعن أبي هريرة، رضي الله عنه قال : قال صلَّى الله عليه وسلَّم : ((من كانت عنده مَظْلَمة لأخيه من عرضِه، أو من شيء، فليتحلله منه اليوم قبل ألاَّ يكون دينار ولا درهم ، إن كان له عمل صالح، أُخِذَ منه بقدر مَظلَمته، وإن لم يكن له حسنات، أُخِذَ من سيئات صاحبه فطُرِحَت عليه)). رواه البخاري ، وهنا ينصح رسول الله (ص)  الظالم أن يردَّ الحقَّ إلى صاحبه، أو أن يستسمحَ صاحب المظلمة حتى يرضى ويصفح عنه ، فالذي لا يؤدي الحقوق في الدنيا فسيؤديها يوم القيامة، وفي الدنيا سيؤدي المال مالاً ، أما يوم القيامة فسيؤدي المال من حسناته .

إعلم أخى المسلم : أن الله يغفر الذنوب التي ارتكبت في حقه ويغفرها بعد التوبة النصوح ، مثل شرب الخمر وترك الصلاة وترك الصيام ، فهذه الذنوب يغفرها الله للعبد إذا تاب ورجع واستغفر الله ، أما حقوق العباد فلا يغفرها مهما استغفرت ، إلا إذا رددت المظالم الى أهلها واستسمحت المظلوم .... حتى الحاج يغفر الله له ذنوبه الا حقوق العباد ....

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) رواه مسلم . أي أن الشاة الجلحاء التي ليس لها قرون ستأخذ حقها في الآخرة من الشاة القرناء التي نطحتها في الدنيا ..وقال (ص) :  "ثلاثٌ لا تُرَدُّ دعوتُهُم الصَّائمُ حتَّى يُفطرَ والإمامُ العادلُ ودعْوةُ المظلومِ تُحمَلُ علَى

الغَمامِ و تُفتَحُ لها أبوابُ السَّماءِ و يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى وعزَّتي وجلالي لأنصرَنَّكَ ولَو بعدَ حينٍ"رواه أبو هريرة .. فاحذر أخى المسلم من دعوة المظلوم فإنها مستجابة ...

وقال الشاعر :

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً…فالظلم ترجع عقباه إلى الندمِ

تنام عيناك والمظلوم منتبهٌ…يدعو عليك وعين الله لم تنمِ

ولنا في عدل الإسلام مواقف كثيرة ، نذكر منها هذا الموقف مع رسول الله (ص) :

في غزوة بدر وقف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يُعدِّل الصفوف بقدح في يدَيه قبل بَدء المعركة ، وكان أحد الصحابة يسمى "سواد بن غزيَّة" كان خارجًا عن الصفِّ، فغمزه الرسول (ص) في بطنه قائلاً: «استوِ يا سَواد» (وكانت بطن سواد معراه)، فقال سواد: يا رسول الله، أوجَعتني وقد بعثَك الله بالحق والعدل فأَقِدْني (أي اجعلنى أقتص منك) ، فكشَف (ص) عن بطنه وقال: «استقِد»، فاعتنقه سواد وقبَّل بطنَه الشريفة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حمَلك على هذا يا سواد؟»، قال: يا رسول الله، قد حضَر ما ترى (أي قتال الكفار) ، فأردت أن يكون آخر العَهد بك أن يمسَّ جِلدي جلدك .

في هذا الموقف حين طالب سواد بحقِّه في القصاص، لم يتردَّد النبى صلى الله عليه وسلم القائد العام للجيش في منحِه فُرصة الاقتصاص، وإن لم يكن يقصِد إيذاءه أوإيجاعه من البداية ، ليَضرب بذلك مثلاً رائعًا للعدالة في الإسلام.

نأتى الى حقوق الانسان :

حقوق الإنسان التي يتشدق بها الغرب ، هي حقا  في الإسلام وليست عند من يتشدقون بحقوق الإنسان ، ويكتالون بمكيالين ...

فالإسلام أمر بالعدل بين الناس سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين وأمر بإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، ومجازاة المحسن بإحسانه، ومعاقبة المسيء على إساءته دون تفاوت أو تفاضل؛ ليعيشَ الناس على قدم المساواة آمنين على دمائهم، وأعراضهم وأموالهم ، حتى غير المسلم كفل له الإسلام حقوقه وحرم من ظلمه والإعتداء عليه بدون وجه حق .

فإذا كان بيننا من هو غير مسلم سواء يهودى أو نصرانى ، وكان مسالما وليس بيننا وبينه حرب ، فلا يجوز ظلمه ، ولا يجوز قتله، ولا يجوز أخذ ماله بغير حق، فمن قتل معاهدًا لم يذُق رائحة الجنة ، فإن قتله بدون وجه حق ،أو أخذ ماله أو سرق منه ، أو اشترى منه ولم يعطه حقه ، يُقتص منه يوم القيامة ....

يقول النبي صلى الله عليه وسلم  ( مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) رواه أبو داود حجيجه : أي خصه ، أترضى أخى المسلم أن يكون الرسول (ص) خصمك يوم القيامة ؟؟

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا ) رواه البخاري (3166)

فهذه النصوص تدل على حرمة الاعتداء على غير المسلم بغير حق  ، وأن ذلك من الظلم الذي حرمه الله تعالى ، وللمظلوم حق عنده يوم القيامة . . هذا هو عدل الإسلام ، وهذه هي حقوق الانسان التي يتشدق بها الغرب ...

فيا أيها الظالم ، لا تغتر بقوتك وبطشك ، فالله يمهل ولايهمل ، قال تعالى : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ{42} مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء{43} ... وهذا التهديد والوعيد يشمل الظالم الكافر والظالم الذى يظلم الناس ...

(في التحرير والتنوير لإبن عاشور : "ويَشْمَلُ ذَلِكَ ما كانَ مِنَ الظُّلْمِ دُونَ الشِّرْكِ مِثْلَ ظُلْمِ النّاسِ بِالِاعْتِداءِ عَلَيْهِمْ أوْ حِرْمانِهِمْ حُقُوقَهم فَإنَّ اللَّهَ غَيْرُ غافِلٍ عَنْ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: هي تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ وتَهْدِيدٌ لِلظّالِمِ " ...

- وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله ليُملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته  . ثم قرأ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102])) . (يملي للظالم أي : يمهله حتى يتمادى في ظلمه ، فلا يعجل له العقوبة، وهذا من الاستدراج ، فلا يعاقبه سريعًا حتى تتكدس عليه المظالم، فإذا أخذه الله لم يفلته، أخذه أخذ عزيز مقتدر .

- اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد .

أيّها المسلمون إن الله يأمركم بثلاثة وينهاكم عن ثلاثة :{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَي وَيَنْهَي عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90اذكروا الله واقم الصلاة

تحريم الظلم

تحريم الظلم

تحريم الظلم

Post a Comment

أحدث أقدم