حفر الخندق
إن
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره
. ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فهو المهتد
ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا .. واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له
واشهد ان محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه .. بلغ الرسالة وأدي الأمانة
ونصح الأمة وكشف الله به الغمة . أما بعد
............
أيها الأخوة المؤمنون: نكمل معكم سلسلة القصص في سيرة
الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم ..
وكما قلنا من قبل الحديث في السيرة ليس عبارة عن قصص للتسلية وتضييع الوقت
إنما هي للعبر والدروس ،
أيها الأخوة المؤمنون : تحدثنا في خطبة سابقة عن كيد اليهود في تجميع العرب
لقتال المسلمين ، وفي هذه الخطبة بإذن الله تعالي سوف نتحدث عن حفر
الخندق ...
أيها الأخوة المؤمنون : بعدما خرجت مجموعة من يهود خيبر
منهم يهود بني النضير ، ويهود بنو
قينقاع ، واتجه هذا الوفد إلى قبائل العرب
يجمعها ويشجعها على التحالف لحرب المسلمين ، وتوجه الوفد أولا إلى قريش ، ثم
الى قبال غطفان وكنانة ، ووعدهم وفد اليهود بالمساعدة والنصرة بالمال
والسلاح .. فتجمع أكثر من عشرة ألاف مقاتل للقضاء على المسلمين بالكامل ...
علم المسلمون في المدينة بالخبر ،
وكان خبرا شاقا عليهم ، فالمشركون أكثر من عشرة
آلاف مقاتل وقد ينضم عليهم اليهود ، والمسلمون أقل من ثلاثة آلاف مقاتل
،
ماذا يفعل النبى (ص) في هذا
الموقف ، فمن الصعب ملاقاة هذا الجيش في المدينة أو خارجها ، فعقد النبى (ص) مجلس
شورى من المهاجرين والأنصار ومن ليس
عربيًا مثل بلال الحبشي وسلمان الفارسي ، (سلمان - ض- من بلاد
فارس وليس عربيا ) ، قال سلمان: يا رسول
الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا. سمع رسول الله (ص) وصحابته الفكرة فأعجبتهم، وعلى الفور أرادوا
التنفيذ والبدء بحفر الخندق . وعلى الفور أخذ رسول الله (ص) مجموعة من الصحابة ،
وتفقد أطراف المدينة ، ليحدد المكان الملائم لحفر الخندق ، فشرق المدينة المنورة
وغربها لها حماية طبيعية وهى الجبال ، وكذلك كان جنوب المدينة محميًّا بأحراش
وعوائق طبيعية ، فلم يتبق إلا منطقة الشمال ، مع العلم بأن منطقة الجنوب الشرقي
يوجد بها ديار بني قريظة، وهم حتى الآن على العهد مع رسول الله (ص) ، والعهد لا
يقضي فقط بعدم معاونة قريش، بل يقضي أيضًا بالدفاع المشترك مع المسلمين عن المدينة
المنورة، إذا هاجمها عدو، أيًا كان هذا
العدو؛ لذلك أرسل رسول الله (ص) لهم رسالة؛ ليؤكد العهد معهم، فأكدوا العهد، ؛ لأن
دخول جيوش المشركين من خلالهم كارثة كبيرة قد تؤدى الى انهاء الوجود الاسلامى
والقضاء على المسلمين بالكامل .
لم يتبق إذًا إلا منطقة الشمال مفتوحة، ولذلك أخذ رسول الله (ص) القرار
بحفر الخندق في الشمال، ليغلق المنطقة ما بين الجبال الشرقية والغربية ، ولكن هذا
العمل كبير جدا ويحتاج لمجهود ضخم ، ولكن ليس أمام المسلمين خيار آخر ، إما الخندق
وإما مواجهة هذه الجموع الكبيرة التي تجمعت من كل مكان في الجزيرة العربية ...
وبعد
جلسة الاستراحة نكمل الحديث ... أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم .
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين ، ولا
عدوان إلا علي الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله، الصادق الأمين ، صلي الله عليه وعلي آله وصحبه الطيبين
الطاهرين ، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين . أما بعد ..
أيها الأخوة المؤمنون :
لو نظرنا الى عملية حفر الخندق وحسبناها بحساباتنا الحالية الحديثة وقلنا
أن الخندق طوله اثناعشر كيلو متر وعرضه خمسة امتار وعمقه خمسة امتار فإن ناتج
الحفر يكون ثلاثة مائة الف متر مربع من الرمال ، مع العلم أن افضل عامل في أيامنا
هذه لو قام بالحفر لمدة ستة عشر ساعة في اليوم لحفر خمسة امتار مكعبة ، إذن
بالحساب مثل هذا الخندق يحتاج اليوم الى أربعة آلاف عامل لحفره في خمسة عشر يوما ،
بشرط أن تكون الأرض رملية ليس بها صخور ، وأن هذا حفر فقط بدون رفع الرمال الى
أعلى وتشوينها ، فما بالكم لو طلب من العمال الرفع والتشوين ، بالحساب العلمى
الحديث لا يستطيع حفر هذا الخندق في خمسة عشرة يوما الا اضعاف أضعاف هذا العدد من
العمال ، أو استخدام مئات الآت الحديثة من كراكات وأوناش لحفر هذ الخندق ...
لقد حفر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ومعهم رسول الله (ص) حفروا الخندق
في خمسة عشر يوما فقط... إنها حقا معجزة إلاهية ...
إن عدد الصحابة في المدينة
المنورة جميعًا لا يتجاوز ثلاثة آلاف، منهم المريض ومنهم كبار السن ، وليس من
الممكن أن يشتغل جميعهم في الحفر، فهناك فرق للحراسة، وفرق للخدمة، ومع ذلك فلو
افترضنا أنهم جميعًا يعملون في الحفر، فإنه يستحيل حفر الخندق في الزمن القياسي
الذي استغرقه بالفعل, حيث استغرق أسبوعين فقط!!
لو أن هذا الخندق في زماننا هذا
وبحساباتنا (12كم × 5 م × 5م) في أرض صخرية لاحتاج هذا العمل مئات الحفارات
والكراكات لإنجازة في خمسة عشر يوما ...
وهكذا فإن مشروعًا كحفر الخندق لا
يمكن للبشر أبدًا أن يتموه، ولكن الله (س) أعانهم على ذلك، وذلل لهم كل الصعاب، سواء
بأيديهم أو بمدد من الملائكة، أو جنود لم يروها، ...
أيها الاخوة المؤمنون : لقد اشترك المسلمون جميعا في حفر
الخندق بما فيهم رسول الله (ص) ، الرسول (ص) وهو النبي المطاع وهو الحاكم لدولة
المدينة وهو القائد الأعلى لجيش المسلمين، ينزل بنفسه لحفر الخندق مع المسلمين،
ليس فقط للإشراف على الحفر، بل يحفر بنفسه، ويضرب بالمعول بنفسه ، ويحمل التراب
بنفسه ، كاشفًا عن بطنه حتى لا تعيق الملابس حركته.
الجيش كله يعاني من الجوع، فقد انتهى ما لديهم من زاد، كل واحد منهم كان
يربط على بطنه حجر من الجوع ، حتى رسول الله (ص) كان أيضا يعانى من الجوع ، قال أبو
طلحة الأنصارى (ض) : شكونا إلى الرسول (ص)
الجوع فرفعنا عن بطوننا عن حجر فرفع (ص) عن حجرين!! ..
ولكن مع هذا الجوع والعطش
فقد حدثت معجزة لرسول الله (ص) ، فما هي هذه المعجزة ؟؟
يروي لنا جابر بن عبد الله (ض) هذه المعجزة فيقول : أنه كان عنده طعام قليل
جدًّا (قليل من اللحم وقليل من الخبز) يكاد لا يكفي لرجلين أو ثلاثة ، فأراد جابر
أن يطعم رسول الله (ص) عندما لاحظ أنه قد أضناه الجوع أكثر من الجميع ، يقول جابر: رأيت في النبي (ص) خمصًا شديدًا (أي
جوعًا شديدًا) ، فذهبت إلى رسول الله (ص) أدعوه الى الطعام ، فعندما علم رسول الله
(ص) بذلك، لم يذهب ليأكل مع جابر وحده ، بل هتف في الخندق بأعلى صوته، وقال لهم أن
جابرًا قد أعد لهم وليمة !!! هنا أسقط في
يد جابر (ض) لأنه يعلم أن الطعام يكفى رجلين أو ثلاثة ، فذهب يركض إلى زوجته
ويخبرها أن الرسول (ص) دعى كل من في الخندق ليأكلوا عند جابر ، فقالت له زوجته: هل أعلمت رسول الله (ص) أن الطعام يكفي رجلين أو ثلاثة؟ فقال: نعم...
فلم تعترض زوجته أو تجزع بل قالت: الله ورسوله أعلم ، هذا هو منتهى الإيمان واليقين
،ثم جاء رسول الله (ص) ومعه ألفٍ رجل من أهل الخندق، وبمعجزة من الله (س) التي
أعطاها لنبيه (ص) ، أخرج لهم رسول الله
(ص) الطعام من البرنة، والخبز من الفرن،
وأخذ يطعمهم عشرة عشرة، حتى أكلوا جميعًا ثم أكل هو (ص) في النهاية.
المعجزة الثانية : عن البراء بن عازب (ض) قال : لمّا كان حينَ أمَرَنا رسولُ اللهِ
ﷺ بحفرِ الخَندقِ، عرَضتْ لنا في بعضِ الخندقِ صخرةٌ لا تأخُذُ فيها المعاولُ،
فاشتكَيْنا ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ، فجاء وأخَذ المِعْولَ فقال: بسمِ اللهِ، ثمَّ ضرَب
ضربةً فنشَر ثلُثَها، وقال: اللهُ أكبَرُ! أُعطيتُ مفاتيحَ الشامِ، واللهِ إنِّي
لأُبصِرُ قصورَها الحُمْرَ الساعةَ، ثمَّ ضرَب الثانيةَ فقطَع ثلُثًا آخَرَ، فقال:
اللهُ أكبَرُ! أُعطيتُ مفاتيحَ فارسَ، وإنِّي واللهِ لأُبصِرُ قصرَ المدائنِ
الأبيضَ الآنَ، ثمَّ ضرَب الثالثةَ فقال: بسمِ اللهِ فقطَع بقيَّةَ الحَجرِ، فقال:
اللهُ أكبَرُ! أُعطيتُ مفاتيحَ اليمنِ، واللهِ إنِّي لأُبصِرُ أبوابَ صنعاءَ مِن
مكاني الساعةَ.
• إسناده حسن
رغم التعب والجوع إلا أن الصحابة (ض) كانت معنوياتهم
عالية وثقتهم بنصر الله عالية وكانوا ينشدون شعر عبد الله بن رواحة :
اللَّهُمَّ لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا *** وَلا تَصَدَقَّنَا وَلا
صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَــا *** وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ
لاقَيْنَا
وكان رسول الله (ص) ينشد معهم ويقول : "اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ
عَيْشُ الآخِرَةِ، فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ". فيرد عليه
الصحابة ويقولون: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا عَلَى الْجِهَادِ مَا
بَقِينَا أَبَدًا.....، نجح الصحابة (ض) في حفر هذا الخندق الضخم.. ولم يصبهم
اليأس والإحباط ولو لحظة ، بل واصلوا الحفر
حتى أتموه ، وفي زمن قصير، ونجح المشروع، لتبدأ المعركة.
وفى الجمعة القادمة بإذن الله
تعالى إن قدر لنا البقاء واللقاء سوف نتحدث عن بداية القتال في غزوة الخندق (غزوة
الأحزاب) ...
اللهم صلِّي وسلّم وبارك علي عبدك
ورسولك محمدا، وارضَ اللّهمّ عن خلفائه الراشدين الأئمّة المهديّين: أبي بكر وعمر
وعثمان وعليّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، ومَن تبِعهم بإحسانٍ إلي يومِ الدّين،
واجعلنا معهم بمنّك وفضلك وجودك وإحسانك وكرمِك يا أرحم الراحمين.
- اللّهمّ أعزَّ الإسلام
والمسلمين. وأذلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداءَ الدين، واجعَل هذا البلدَ
آمنًا مطمئنًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين...
- اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا
اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه وصلي الله علي سيدنا محمد وعلي اله
وصحبه وسلم ...- أيّها المسلمون إن الله يأمركم
بثلاثة وينهكم عن ثلاثة .... {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَي وَيَنْهَي عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ
وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90اذكروا
الله واقم الصلاة ...

إرسال تعليق