الصفحات

أسر ثمامة بن أثال

 أسر ثمامة بن أثال 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره  . ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا .. واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه .. بلغ الرسالة وأدي الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة .  أما بعد ............

أيها الأخوة المؤمنون: نكمل معكم سلسلة القصص في سيرة الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم ..  وكما قلنا من قبل الحديث في السيرة ليس عبارة عن قصص للتسلية وتضييع الوقت إنما هي للعبر والدروس ،

أيها الأخوة المؤمنون : تحدثنا في خطبة سابقة عن قتل سلام بن أبي الحقيق اليهودى وتأديب بنى بكر،.... وفى هذه الخطبة بإذن الله تعالى سوف نتحدث عن أسر ثمامة بن أثال ودخوله في الإسلام

أيها الأخوة المؤمنون:  قلنا في اخطبة السابقة أن سرية محمد بن مسلمة خرجت لتأديب بنى بكر الذين آذوا المسلمين واشتركوا في غزوة الأحزاب لقتال المسلمين ، وقلنا رغم أن هذه السرية كانت صغيرة ومكونة من ثلاثون مقاتل فقط إلا أنها حققت نتائج عظيمة أولها قتل عشرة رجال من بنى بكر ثأرا لمن قتلته قبيلة بنى بكر من المسلمين ، وثانيها أخذ غنائم منهم  وهى عبارة عن مئات الأغنام والابل ، وثالثها أسر ثمامة بن أثال ... ما هي قصة أسر أمامة بن أثال ؟؟؟ انها قصة مثيرة وتستحق التأمل والدراسة ، بل فتح عظيم فتحه الله على المسلمين من حيث لم يحتسبوا ....

فعند عودة سرية محمد بن مسلمة من أرض نجد أسروا رجلا كان بالمنطقة، ولم يكونوا يعرفون من هو هذا الرجل ، وأتوا به إلى المدينة وفوجئوا أن هذا الرجل هو ثمامة بن أثال الحنفي سيد بني حنيفة، وهو من أعظم وأكبر زعماء العرب في ذلك الوقت، ماذا حدث مع هذا الأسير؛ لقد ربطه المسلمون في سارية من سواري المسجد النبوي، وخرج له رسول الله (ص) وسأله: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةَ؟ أى ماذا تتوقع مني يا ثمامة؟ فقال ثمامة: "عندي خير يا محمد". ثم قال: "إن تقتل تقتل ذا دم". يعني إن قتلتني فورائي قبيلة كبيرة وهي قبيلة بني حنيفة ستأخذ بثأري، ولن يضيع دمي هدرًا ،"وإن تنعم تنعم على شاكر". يعني لو أطلقت سراحي فسأحفظ لك هذا الجميل وأشكره لك ، "وإن كنت تريد المال فسَلْ تُعطَ ما شئت". يعني إن طلبت المال كفدية سنعطيك منه ما تشاء.

وكان ثمامة من أغنى أغنياء العرب، تخيل هذا العرض، والمدينة في حالة من أشد حالات الفقر، فهذه اختيارات ثلاثة عرضها ثمامة على رسول الله وآثر رسول الله ألا يرد عليه سريعًا في هذه الاختيارات، وتركه مربوطًا في سارية المسجد يشاهد حركة المسلمين وتعاملهم وصلاتهم ودروسهم، ويرى واقع المسلمين وحياة المسلمين وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكومين وبين الأخ وأخيه، تركه يرى الإسلام بصورة واقعية ثم عاد إليه في اليوم التالي فسأله نفس السؤال: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةَ؟" ، فرد عليه ثمامة بنفس الرد وعرض عليه نفس العرض وهى الأمور الثلاثة، فتركه (ص) مرة أخرى، ثم جاء له في اليوم الثالث، وقال له: "مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةَ؟" فرد ثمامة بنفس الرد. وبعد جلسة الاستراحة نكمل الحديث ... أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم .

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين ، ولا عدوان إلا علي الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الأمين ، صلي الله عليه وعلي آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين . أما بعد ..

أيها الأخوة المؤمنون : نكمل معكم الحديث ...

هنا اختار الرسول (ص)أحد الاختيارات الثلاثة فما هو؟ لقد وجد الرسول (ص)  ثمامة رجلاً عاقلاً وسيدًا شريفًا وزعيمًا معروفا ، ووراءه رجال وأقوام هو سيدهم، ثم إن الرسول (ص) لاحظ انبهار ثمامة بحياة المسلمين وبطبيعة دينهم .

وكان الرسول (ص) يدرك أن إسلام هذا الرجل إن حدث فقد يسلم من وراءه أيضا بنو حنيفة، وكان إسلام هذا الرجل أحب إلى الرسول من أموال الدنيا؛ لذلك اختار رسول الله (ص) أن يطلق سراح ثمامة، هكذا بغير فداء، لعل الله أن يهديه للإسلام ..

فالرسول (ص) يحكم دولة فقيرة فى أزمة اقتصادية طاحنة، ولو كان الرسول (ص) يريد الأموال الطائلة لطلب الأموال لفك أسر ثمامة، ولكن الرسول (ص) لم يكن يفكر في الدنيا وأموالها، بل كان يفكر في هدايته هو وقومه الى الإسلام ...

وقد كان ثمامة عند حسن ظن رسول الله (ص) ، فبعد فك قيوده ، خرج مسرعًا من المسجد النبوي ، وانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل عنده , ومن هذا الموقف يتضح  أن ثمامه  قد عرف  كيفية الإسلام وكيفية الغسل بسبب قيده في المسجد وهو يرى ويسمع المسلمون ، لكنه لم يريد أن يسلم وهو في قيده، لكي لا يتهم بالنفاق وأنه ما أسلم إلا خوفًا من الأسر، فانتظر حتى أطلق الرسول (ص)  سراحه، ثم اغتسل وجاء بنفسه مختارًا إلى رسول الله (ص) حيث أعلن إسلامه بين يديه. إنها إرادة الله  ...

إنه موقف رائع لثمامة بن أثال فهو لم يفكر في الرجوع إلى بلده للاستشارة وأخذ الرأي، وإنما هو قد رأى الحق ورغب فيه مهما كانت العواقب والنتائج.

لقد تحول ثمامة بن أثال من زعيم يتبعه الناس إلى تابع مطيع لدينه الحق، إنه إيمان عميق .. ومن أول يوم في إسلامه يقف ثمامة في خشوع أمام رسول الله (ص) يقول له: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلـيَّ من وجهك, فقد أصبح وجهك الآن أحب الوجوه إليَّ, والله ما كان دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك الآن أحب الدين إليَّ، والله ما كان بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك الآن أحب البلاد إليَّ".

وهكذا في أيام قليلة تبدل ثمامة بن أثال من كافر حاقد على الإسلام والمسلمين الى مسلم مؤمن يحب الله ورسوله ودينه وأصحابه ...

عندما تم أسر ثمامة في الطريق كان ثمامة متوجها الى المدينة يريد قتل النبى (ص) ثم يتوجه الى مكة  بعد ذلك يريد العمرة كما كان يعتمر المشركون ، فاستأذن ثمامة رسول الله (ص) في أداء العمرة بعد إسلامه ، فقال ثمامة: يا رسول الله، إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فأذن له الرسول (ص)  أن يعتمر، فلما ذهب إلى مكة وعرف المشركون بإسلامه قال له أحد المشركين: صبأت؟ أي كفرت بديننا ؟ فقال ثمامة: لا والله، ولكني أسلمت مع محمد رسول الله (ص) ، وإن ما كنت عليه من عبادة الأصنام كان هو الباطل، أما الآن فقد آمنت حقيقة لا صبوت ، ثم قال مخاطبا زعماء قريش: والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن بها النبي (ص) .. هذاالقرار من ثمامة قرار صعب على قريش لأنه سيمنع الطعام عن مكة، وقد كانت اليمامة هي المصدر الرئيس لشعير وخبز مكة، حتى كان يطلق عليها ريف مكة، فهذا القرار فيه إيذاء كبير لمصالح مكة، وحصار اقتصادي صعب .

إنه قرار يحمل تضحية كبيرة من ثمامة؛ لأنه ليس فقط سيواجه زعماء مكة أو يفقد علاقات مهمة، ولكن سيفقد كذلك ثروات ضخمة لأنه تاجر يعتمد على البيع والشراء، أما الآن فقد قرر أن يخسر هذه الأموال ويخسر هذه العلاقات وذلك كله في سبيل الله، فقد آثر ثمامة التجارة مع الله، ويا لها من تجارة رابحة بإذن الله ، آثر ما عند الله علي أموال الحياة الدنيا ،

ونحن نجد كثيرًا من الناس يتعللون في أيامنا هذه أننا لا نستطيع أن نقاطع أعداءنا؛ لأننا سنفقد ثروات اقتصادية وسنخسر ماديًّا، ولكن هذه طبيعة الحروب، والانتصار لا يأتي إلا ببذل وتضحية وبخاصة لو كان في سبيل الله؛ لأن الذي نشتريه بجهادنا شيء ثمين نفيس وهو الجنة، فلا بد أن يكون المدفوع كثيرًا عظيمًا.

روى الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ".

وتمت المقاطعة بالفعل، ومنع ثمامة الغذاء عن مكة، وتأثرت مكة بشدة من المقاطعة وكادت أن تهلك, وفشلت محاولاتها في إقناع ثمامة بالعدول عن المقاطعة، ولكنه أصر على المقاطعة ، وربط بين فك المقاطعة وموافقة النبي (ص) ، فلم تجد قريش حلا إلا أصعب الحلول في تخيلها وهو الذهاب إلى المدينة المنورة، واستعطاف الرسول (ص) ؛ ليأذن لثمامة بمعاودة التجارة مع قريش، وكان موقفًا عظيمًا يوم ذهبت قريش، وقد تنازلت عن كبريائها وغطرستها لتسأل الرسول (ص) وتطلب منه وترجوه وتستحلفه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة بن أثال؛ ليسمح له بمعاودة التجارة مع مكة ، ثمامة بن أثال، لم يرضى أن تعادي قريش المسلمين وتكيد لهم، وتعقد التحالفات للقضاء عليهم، ثم بعد ذلك يرسل البضائع والحبوب إليها ، ولم ينكر عليه الرسول (ص) هذه المقاطعة، وفي ذلك رد على الذين ينكرون المقاطعة في وقتنا هذا مع أعداء الأمة ...

وبالرغم من كل الأذى الذي أحدثته قريش بالمسلمين عامة وبالرسول خاصة سواء في مكة أو في المدينة، إلا أن الرسول (ص) الرءوف الرحيم رقَّ قلبه لقريش، ووافق على أمنية قريش وأرسل الرسول (ص)  إلي ثمامة يأمره أن يتخلى عن المقاطعة الاقتصادية مع قريش، ففعل ثمامة.

وفى الجمعة القادمة بإذن الله تعالى إن قدر لنا البقاء واللقاء سوف نتحدث عن غزوة بنى لحيان

اللهم صلِّي وسلّم وبارك علي عبدك ورسولك محمدا، وارضَ اللّهمّ عن خلفائه الراشدين الأئمّة المهديّين: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، ومَن تبِعهم بإحسانٍ إلي يومِ الدّين، واجعلنا معهم بمنّك وفضلك وجودك وإحسانك وكرمِك يا أرحم الراحمين.

- اللّهمّ أعزَّ الإسلام والمسلمين. وأذلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداءَ الدين، واجعَل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين...

- اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه وصلي الله علي سيدنا محمد وعلي اله وصحبه وسلم ...- أيّها المسلمون إن الله يأمركم بثلاثة وينهكم عن ثلاثة ....  {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَي وَيَنْهَي عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90اذكروا الله واقم الصلاة ...

 

Post a Comment

أحدث أقدم