الصفحات

الصحبة الصالحة والصحبة السيئة

 

الصحبة الصالحة والصحبة السيئة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره  . ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا . واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه . بلغ الرسالة وأدي الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة وتركنا علي المحاجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.           أما بعد

أيها الإخوة المؤمنون :  سوف نتحدث معكم اليوم بإذن الله تعالى عن أمر هام ألا وهو الصحبة الصالحة والصحبة السيئة  ....

إعلم أخى المسلم : أن الصحبة تحدد معالم الطريق ، فإن كانت صُحبة أخيار أفاضت على الأصحاب كل الخير، وإن كانت صُحبة أشرار فلا ثمر لهذه الصحبة الا الشر  .

الإنسان بطبعه وحكم بشريته يتأثر بصفيه وجليسه، ويكتسب من أخلاق قرينه وخليله ،  ولقد جسّد ذلك نبينا محمّد صلى الله عليه وسلم بقوله: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»  [أخرجه أبو داود بإسناد صحيح] .

وعن أبي موسى الأشعري (ض) قال : قال رسول الله (ص) : مثَلُ الجليسِ الصالحِ ومثلُ جليسِ السوءِ كحاملِ المسكِ ونافخِ الكيرِ، فحاملُ المسكِ إما أن تبتاعَ منه، وإما أن تجدَ منه ريحًا طيبةً، ونافخُ الكيرِ إما أن يُحرِقَ ثيابَك، وإما أن تجدَ منه ريحًا خبيثةً

ابن الملقن (ت ٧٥٠)، البدر المنير ٩‏/٥٤١    صحيح    أخرجه البخاري (٢١٠١)، ومسلم (٢٦٢٨) باختلاف يسير، وأبو داود (٤٨٢٩)، وأحمد (١٩٥٤٩) مطولاً باختلاف يسير، وابن حبان (٥٦١) واللفظ له 

أيها الأخوة : إعلموا أن الصاحب ساحب: فلو أن مؤمناً دخل إلى مجلسٍ فيه مائة منافق ومؤمنٌ واحد لجاء حتى يجلس إليه، ولو أن منافقاً دخل إلى مجلسٍ فيه مائة مؤمن ومنافقٌ واحد لا زال يمشي حتى يجلس إليه ، وإن أجناس الناس كأجناس الطير، والطيور على أشكالها تقع ....

أخي الحبيب : صاحب أهل الخير تُنسب إليهم وإن لم تكن منهم، ولا تصاحب أهل الشر فتُنسب إليهم وإن لم تكن منهم ، ولك أن تسأل أهل السجون كيف وصلوا إلى قضبان الحديد ، إنهم بلا شك بواسطة أصدقاء السوء ....  اسأل أهل الخمر والمخدرات كيف وقعوا في ذلك ؟ حتما وبالتأكيد سيرد عليك ويقول بسبب أهل السوء ..

كم ضل من ضل بسبب صاحب فاسد ، وكم أنقذ الله بأصحاب الخير من كان على شفا جُرفٍ هار فأنقذه الله بهم من النار .

وكاذب ثم كاذب من ادَّعى قدرته على معايشة البيئة الفاسدة دون التأثر بها ،لأن قلبه قلب بشر لا قلب مَلَك ، وسيتأثر حتماً بالبيئة المحيطة به ، وإلا لماذا أمر الله (س) أمر رسوله (ص) المعصوم والذي رأى الجنة والنار رأي العين ، أمره بصيانة سمعه وبصره ومفارقة مجالس أهل السوء قائلاً له: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأنعام:68]

وبعد جلسة الاستراحة نكمل الحديث ... أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ....

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا علي الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الأمين، صلي الله عليه وعلي أله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين. أما بعد

أيها الإخوة المؤمنون: نكمل معكم الحديث عن الصحبة الصالحة والصحبة السيئة ...

أخى المسلم :  لنتأمل في حال أبو طالب الرجل العاقل كبير السن ، الذى كان سيداً من سادات العرب ، وسيدا في قومه ، كان مسموع الكلمة مُطاع الرأي ، ولكن للأسف  وقع في براثن رفيق السوء وهلك  بسبب صاحب السوء  ....  فلما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صاحبى السوء أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية عليهما لعنة الله ،  فقال له (ص) : «أي عم! قل لا إله إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله - عز وجل » فقال رفقاء السوء أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: (يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب) ، فأراد أبو طالب أن يتلفظ بالشهادة لينجو من العذاب ويدخل في رحمة الواحد القهار، فقال له أبو جهل: كيف ترغب عن ملة آبائك وأجدادك ! فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء قال : بل على ملة عبد المطلب ) ولم ينطق بالشهادة بسبب قرناء وأصحاب السوء ... [أخرجه البخاري في الجنائز (1272)]. نعوذ بالله من جلساء السوء . فالصاحب باب من أبواب الخير كما أنه باب من أبواب الشر فيدخل الشيطان إلى القلوب بواسطة الأصحاب.

يقول المولى عز وجل في كتابه الكريم : (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِى اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يا وَيْلَتَا لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِى وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً) [الفرقان:27-29] ، يقول ابن عباس و سعيد بن المسيب في التفسير : إن الظالم هاهنا هو عقبة بن أبي معيط وخليله أبى  بن خلف وأن سبب نزول هذه الآيات هو أن عقبة بن أبي معيط كان يكثر من مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ، فدعاه إلى ضيافته فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين، ففعل. وعلم بذلك أبي بن خلف وكان صديقَه، فعاتبه وقال له: صبأت؟ فقال: لا والله ولكن أبى أن يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحيت منه فشهدت له، فقال: لا أرضى عنك إلا أن تأتيه فتطأ قفاه وتبزق في وجهه ، فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا ألقاك خارجَ مكة إلا علوت رأسك بالسيف ، فأسر يوم بدر فأمر عليًّا بقتله. .الدر المنثور , للسيوطي 6/ 249.

أخى المسلم : إن كل صداقة في غير الله تعالى تنقلب يوم القيامة عداوة، قال تعالى: (الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ )[الزخرف:67]، فالأصدقاء في الآخرة  يعادي بعضهم بعضًا ، ويتبرأ بعضهم من بعض إلا أصدقاء الإيمان، الذين بنوا صداقاتهم على الحب في الله والبغض في الله ، أما هؤلاء الاصحاب أصحاب السوء لا يجنون الا الحسرة والندامة ، ويقول الواحد منهم يوم القيامة: { يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً } [الفرقان:28] .

فيا من تُعاشِر صاحب سوء وأهل السوء! { فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [الأنعام:68] لا تقعد بعد الذكرى مع أهل السوء؛ فإن الله نهاك عن ذلك.

أخي الحبيب : الزم صُحبة الأخيار المتقين الأبرار الذي تزيدك صحبتهم استقامة وصلاحًا، الذين إذا نسيت ذكروك، وإذا ذكرت أعانوك. فإن صحبة هؤلاء تورث الخير في الدنيا والآخرة، ولذا أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بها، فقال جل وعلا :( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا )الكهف:28

أخي الحبيب: يجب عليك اختيار الصديق من الناس كما تختار الجميل من المظاهر، واللذيذ من الطعام، والسائغ من الشراب،

أخى المسلم : إعلم أن صحبة ومجالسة الأخيار فيها الخير كله ، فهؤلاء القوم لا يشقى جليسهم ... ففي الحديث الذى رواه أبو هريرة عن فضل مجالس الذكر (( فيَقولُ الله جل وعلا : فَأُشْهِدُكُمْ يا ملائكتى أنِّي قدْ غَفَرْتُ لهمْ، فيقولُ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ: يا رب إن فيهم فُلانٌ ليسَ منهمْ، إنَّما جاءَ لِحاجَةٍ، يقول المولى عز وجل : هُمُ الجُلَساءُ لا يَشْقى جَلِيسُهُمْ.))

أخى المسلم : إعلم أنك لو أحببت الأخيار فسوف تحشر معهم . فعَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ؛أَنَّ رَجُلاً قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، مَتَى السَّاعَةُ ؟ قَالَ : وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لِلسَّاعَةِ ؟ قَالَ : لاَ ، إِلاَّ أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ ، قَالَ : فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ.قَالَ أَنَسٌ : فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ ، بَعْدَ الإِسْلاَمِ ، فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ : فَأَنَا أُحِبُّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَأَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ ، لِحُبِّي إِيَّاهُمْ ، وَإِنْ كُنْتُ لاَ أَعْمَلْ بِعَمَلِهِمْ. رواه أحمد (13419 و13886) ، وعَبْد بن حُمَيْد (1296) ، ومُسْلم (7520) .

ولذلك كان السلف الصالح -رحمهم الله- يحرصون على مصاحبة الأخيار يحرصون على مصاحبة الصالحين، يبتعد عمن قد يؤثر فيه بألفاظه أو يؤثر فيه بأفعاله بل يقول الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: "استكثروا من الأصحاب الصالحين في الدنيا؛ فإنهم ينفعون يوم القيامة"، استكثروا منهم ومن معرفتهم قيل له كيف ينفعون؟ فقال الحسن البصري: "بينما أهل الجنة في الجنة إذ تذاكروا أصحابهم في الدنيا وأحوالهم في الدنيا فيقول قائلهم: ما فعل صديقي فلان؟". أنا كان عندي صديق في المدرسة أو ربما في الحي الذي أسكن فيه أو في الجامعة أو في العمل معي ما فعل؟ لا أراه في الجنة ما فعل صديقي فلان؟ فيقال: هو في النار فيقول هذا المؤمن: يا رب لا تكتمل لذتي بالجنة إلا إذا كان معي صديقي فلان ،عندها يأمر الله -تعالى- فيخرج صديقه من النار إلى الجنة لا لأجل عمل صالح من قيام ليل أو صيام نهار أو قراءة قرآن أو صدقة وإنما شفع له صديقه ، إكراما لصديقه الذي في الجنة اخرج هذا إليه.

فيقول أهل النار: عجبا من شفع له؟ أبوه شهيد؟ فيقال: لا ، أخوه شهيد؟ فيقال: لا ، شفعت له الملائكة؟ فيقال : لا ، شفع له الأنبياء؟ فيقال: لا ،  وإنما شفع له صديقه فلان ، عندها يقول أهل النار: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الشعراء: 100- 101].   فيا أيها الأخوة استكثروا من الأصحاب الأخيار لعلهم يشفعون  لكم يوم القيامة ...

- اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك ، وارزقنا حب الأنبياء والصالحين ، وارزقنا صحبة ومجالسة الصالحين ، وابعدنا عن أهل الشر والسوء ،   وصلي الله علي سيدنا محمد وعلي اله وصحبه وسلم ...

أيّها المسلمون إن الله يأمركم بثلاثة وينهكم عن ثلاثة

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَي وَيَنْهَي عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90اذكروا الله واقم الصلاة ......

 

 

 

Post a Comment

أحدث أقدم