الصفحات

رسالة الانبياء

 شرح حديث إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره  . ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا . واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه . بلغ الرسالة وأدي الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة وتركنا علي المحاجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك .           أما بعد     

أيها الإخوة المؤمنون : حديثنا اليوم عن حديث جامع من أحاديث رسول الله (ص) ، وهو  حديث "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم "

عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْإِسْلَامُ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ". قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ. قَالَ: " أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ". قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: " أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ ". قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ؟ . قَالَ: " مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ". قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا؟ . قَالَ: " أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ ".ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: " يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ . قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فإنه جبريلُ أتاكم يعلِّمَكم دينَكم » ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

أيها الإخوة المؤمنون : هذا الحديث من الأحاديث العظيمة التي بين فيها النبي صلى الله عليه وسلم أصول الدين , إنه حديث جبريل المشهور , فعندما جاء جبريل عليه السلام  إلى النبي صلى الله عليه وسلم , على هيئة رجل يسأله ويستفتيه عن بعض المسائل الهامة ,  فقال: يا محمد، على عادة البادية يسألون الرؤساء بأسمائهم: يا فلان، ، فعادة الأعراب هكذا: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، كان الأفضل أن يقول: يا رسول الله، يا نبي الله، لكن سأله بطريقة البادية وأشباههم : والحديث رواه الإمام مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ... فهذا الحديث قد اشتمل على بيان أصول الدين وقواعده , ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في آخره ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) , فجعل ما في هذا الحديث بمنزلة الدين كله .

وبعد جلسة الاستراحة نكمل الحديث .. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ....

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا علي الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الأمين، صلي الله عليه وعلي أله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين. أما بعد

أيها الإخوة المؤمنون: نكمل معكم الخطبة عن شرح حديث " إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم "

عن أي شيء سأل جبريل عليه السلام ؟

لقد سأل جبريل النبى (ص) عن أربعة أشياء :

1- الإسلام                       2- الايمان                 3- الاحسان                 4- الساعة .

(1) سأل عن الإسلام :

بدأ جبريل بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام , وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بأعمال الجوارح الظاهرة , وهى أركان وأصول الإسلام الخمسة : 1- شهادة أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، 2- وإقام الصَّلَاةَ، 3- إيتاء الزَّكَاةَ، 4- صُومَ رَمَضَانَ، 5- حُجَّ الْبَيْتَ لمن  اسْتَطَاعْ إِلَيْهِ سَبِيلًا . وقد عجب الصحابة (ض) من أن السائل يسأل ثم يقول صدقت ، لأنَّ العادة أن السائل ليس عنده علم فكيف يقول له صدقت ؟!

لذلك حتى نكون مسلمين فعلينا بالعمل بأركان الإسلام الخمسة ، 1- شهادة أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، 2- وإقام الصَّلَاةَ، 3- إيتاء الزَّكَاةَ، 4- صُومَ رَمَضَانَ، 5- حُجَّ الْبَيْتَ لمن  اسْتَطَاعْ إِلَيْهِ سَبِيلًا .

(2) سأل عن الإيمان :

وأما الإيمان فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بالأعمال الباطنة , فقال : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ , وهذه هي أصول الإيمان الستة التي ذكرها الله عز وجل في مواضع من كتابه , كقوله تعالى : { وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً{136} } وقال سبحانه {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر 49) .

فقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الإسلام والإيمان , فجعل الإسلام خاصا بأعمال الجوارح الظاهرة , وجعل الإيمان خاصا بالأعمال الباطنة , لاجتماع هذين الاسمين معاً في سياق واحد , فكان لكل واحد منهما معنى خاصا , أما إذا ذكر كل واحد منهما على انفراد فإن أحدهما يدخل في الآخر , فإذا ذكر الإسلام فقط فإنه يشمل أعمال الجوارح (أي الأعمال الظاهرة ) وأعمال الباطن .

وكذلك الإيمان إذا ذكر بمفرده فإنه يشمل أعمال الجوارح (أي الأعمال الظاهرة ) وأعمال الباطن

فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان بضع وسبعون شعبة , فأفضلها قول لا إله إلا الله , وأدناها إماطة الأذى عن الطريق , والحياء شعبة من الإيمان } أخرجه مسلم .

لذلك حتى نكون مؤمنين ، فعلينا بالإيمان بأصول الإيمان الستة وهى : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ .

أيها الإخوة المؤمنون :

 ما هو الإيمان بالقدر ؟ وكيف نؤمن بالقدر ؟

الإيمان بالقدر فهو على أربع مراتب:

1- العلم    2- الكتابة     3- المشيئة  4- الخلق .

المرتبة الأولى : مرتبة العلم , وهي الإيمان بأن الله تعالى سبق في علمه ما كان وما سيكون من أفعاله وأفعال عباده , وأن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علما .

أي الْإِيمَانُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَبَقَ فِي عِلْمِهِ مَا يَعْمَلُهُ الْعِبَادُ مِنْ خَيْرٍ، وَشَرٍّ، وَطَاعَةٍ، وَمَعْصِيَةٍ، قَبْلَ خَلْقِهِمْ وَإِيجَادِهِمْ، وَمَنْ هُوَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ هُوَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَأَعَدَّ لَهُمُ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ جَزَاءً لِأَعْمَالِهِمْ قَبْلَ خَلْقِهِمْ وَتَكْوِينِهِمْ ،

المرتبة الثانية : مرتبة الكتابة , وهي الإيمان بأنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ ما سيكون إلى يوم القيامة, وذلك قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة, وكان عرشه على الماء .

المرتبة الثالثة : مرتبة المشيئة , وهي الإيمان بأن ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وأنه لا يخرج شيء في هذا الكون عن إرادته الكونية ومشيئته جل وعلا .

والمرتبة الرابعة : الخلق , وهي الإيمان بأن الله خالق كل شيء , فالعباد مخلوقون ، وأفعالهم مخلوقة , قال عز وجل : { والله خلقكم وما تعملون } (الصافات 96) وكل ما سوى الله مخلوق مفتقر إليه سبحانه وتعالى ... فكل ما هو في الوجود مخلوق سوى الله ....

إذن فالإيمان بالقدر هو التصديق الجازم بأن كل خير وشر فهو بقضاء الله وقدره، وأنه الفعّال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا مَحيد لأحد عن القدر المقدر، ولا يتجاوز ما خُط في اللوح المحفوظ، وأنه خالق أفعال العباد والطاعات والمعاصي، قال رسول الله (ص) : "استعن باللهِ ولا تعجِزْ فإن أصابك أمرٌ فقل: قدر اللهُ وما شاء فعل، ولا تقلْ لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن لو تفتحُ عملَ الشيطانِ" ، فالمؤمن هكذا تحت القدر، لكن لا يمنعه القدر من تعاطي الأسباب، يفعل الأسباب التي يستطيعها، فإذا قدر أن الأسباب لن تنفع؛ فلا يجزع، ولا يقل: لو لو، بل يقول: قدر الله وما شاء فعل، إنا لله وإنا إليه راجعون ، مثلاً ذهب بالمريض إلى الطبيب الفلاني، أو المستشفى الفلاني، فلم يقدرالله نفع الأسباب؛ فلا يقل بعد موته: لو أني ذهبت به إلى المستشفى الفلانى، لو أني ذهبت إلى فلان، هذا لا ينفع فقد مضى الأمر، والله (س) لو شاء ذلك لوقع، لكن هذا الأجل قد انتهى ، فلا ينبغي الاعتراض بقول: لو كان كذا لكان كذا ..

(3) سأل عن الإحسان :

وأما درجة الإحسان فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد لن يستطيع أن يصل إليها إلا بأن يعبد الله كأنه يعاينه وينظر إليه , فإنه إذا استحضر ذلك عند أداء العبادة , فلن يترك شيئا يقدر عليه من الخضوع والخشوع واجتماع القلب إلا أتى به , ويعبد الله عبادة من يعلم أنه يراه ويطلع عليه , والمقصود هوالإخلاص في العبادة , ومراقبة الله عز وجل في السر والعلن , وهي درجة رفيعة ومقام عال , لا يصل إليه إلا القليل من الناس . فكثير من الناس اليوم لا يخشى الله ، ولا يخاف الله ، ولكنه يخاف من كاميرات المراقبة ، فلو خشينا الله كما نخشى من كاميرات المراقبة لوصلنا الى درجة الإحسان ، رزقنا الله وإياكم درجة الإحسان .

(4) سأل عن علامات الساعة :

ثم سأل جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة , فأخبره (ص) أن السائل والمسؤول علمهم عنها سواء , فالساعة علمها عند الله , وهي أحد مفاتيح الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا الله عز وجل , فسأله عن علاماتها فذكر له النبي صلى الله عليه وسلم علامتين :

العلامة الأولى : أن تلد الأمة ربتها، وهي كناية عن كثرة العقوق في الأولاد، فيعاملون أمهاتهم وآباءهم معاملة الأسياد لعبيدهم من حيث السب والضرب والاستخدام والإهانة .

العلامة الثانية : أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، وهي كناية عن أن أسافل الناس يتسلطون على الناس بسبب امتلاك الأموال الطائلة بعد الفقر المدقع ، كما أنهم يتباهون بارتفاع البنيان وزخرفته،

فمن تأمل هذا الحديث وجد أن قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة , من عقود الإيمان , وأعمال الجوارح , وإخلاص السرائر , والتحفظ من آفات الأعمال , فصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم .

- اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد .

أيّها المسلمون إن الله يأمركم بثلاثة وينهاكم عن ثلاثة :{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَي وَيَنْهَي عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90اذكروا الله واقم الصلاة

 

شرح حديث إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم

شرح حديث إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم

شرح حديث إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم

Post a Comment

أحدث أقدم