الصفحات

محاولة فك الحصار عن المدينة فى غزوة الاحزاب

 محاولة فك الحصار عن المدينة 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره  . ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا .. واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه .. بلغ الرسالة وأدي الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة .  أما بعد ............

أيها الأخوة المؤمنون: نكمل معكم سلسلة القصص في سيرة الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم ..  وكما قلنا من قبل الحديث في السيرة ليس عبارة عن قصص للتسلية وتضييع الوقت إنما هي للعبر والدروس ،

أيها الأخوة المؤمنون : تحدثنا في خطبة سابقة عن خيانة بنى قريظة ونقضهم العهد بينهم وبين رسول الله (ص) ، وفى هذه الخطبة بإذن الله تعالى سوف نتحدث عن محاولة فك الحصار عن المدينة في غزوة الخندق ...

أيها الأخوة المؤمنون : بعد خيانة اليهود ونقضهم العهد مع رسول الله (ص) أصبح المسلون في وضع صعب ، المسلمون يحرسون الخندق حتى لا يستطيع فرسان المشركين اجتيازه ، والمنافقون داخل المدينة ظهر منهم النفاق وقرروا عدم القتال وقالوا ما وعدنا الله ورسوله الا غرورا ، * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا} [الأحزاب: 11، 12]. وبدءوا يحرضون المسلمين على الفرار من الخندق؛ قال الله تعالى : {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً} [الأحزاب: 18]. وقال بعض المنافقين :‏ كان محمد يعدنا أن نأخذ كنوز كسري وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط‏ .‏ واليهود خانوا العهد مع الرسول (ص) وتحالفوا مع المشركين ، وعلاوة على ذلك فإن المسلمون محاصرون جائعون ، ‏{‏وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا‏}‏‏[‏ الأحزاب‏:‏10، 11‏]‏   ماذا يفعل المسلمون ؟؟ ماذا يفعل رسول الله (ص) ، كيف يفك هذا الحصار ؟؟ كيف يفك هذا التحالف ؟؟ الرسول (ص) بشر ولم يأتيه وحى من السماء يقول له إفعل كذا أو كذا ، فالرسول (ص) ظل يفكر بعقليته البشرية ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطط لمجابهة هذه الظروف ، 
فكر رسول الله (ص) في فك التحالف من خلال العرض المادي، والإغراء بالمال. فأمامه قريش واليهود والقبائل العربية مثل غطفان ،فالمنطق يقول إن أي محاولة مع قريش ستفشل ، فالعداء طويل، وهم أصلاً لم يأتوا من أجل المال ، وكذلك الوضع مع اليهود؛
فهم أغنياء أصلا ولديهم المال ، بل هم الذين أغروا غطفان بالمال لتقاتل المسلمين ،  واليهود حقدهم على الرسول (ص) كبير جدًّا، علاوة على أنهم خونة، لا يمكن الاطمئنان إلى كلامهم، فلم يتبقى إلا غطفان، هذه القبيلة التي لم تأتِ ناقمة على رسول الله، وليس بينه وبينها عداء، وإنما جاءت من أجل مال خيبر، أي أنه من الممكن أن تنسحب أو تفك ارتباطها بالباقين إذا أعطيت مالاً.

فأراد النبى (ص) أن يصالح قادة غطفان مثل عيينة بن حصن والحارث بن عوف رئيسي غطفان ، أراد أن يصالحهم ويغريهم بالمال ، لأنهم جاؤا لقتال المسلمين بسبب إغرائهم بالمال ، حتى ينصرفا بقومهما ويفكوا هذا التحالف مع قريش واليهود ،

وفعلاً عقد النبى (ص)  لقاءً مع زعماء غطفان: عيينة بن حصن، والحارث بن عوف، لقاء كان سريعا  جدًّا، لدرجة أن الرسول (ص) لم يجد وقتا لإشراك الصحابة في اللقاء،  واللقاء كان على مستوى عالٍ جدًّا من السرية، فلم يشرك فيه أحد من الطرفين، فاللقاء تم بين الرسول (ص) ممثلاً للمسلمين، وعيينة بن حصن والحارث بن عوف ممثلين عن غطفان، وبعد مداولات بين الطرفين، استقر الطرفان على أن يعطى رسول الله (ص) غطفان ثلث ثمار المدينة لسنة كاملة على أن تعود غطفان وتترك حصار المسلمين ، لكن الرسول (ص) علق هذه المفاوضات حتى يعرض هذا الاتفاق على الصحابة (ض) ، وخاصةً سعد بن معاذ وسعد بن عبادة سيدي الأوس والخزرج ، 

وبعد جلسة الاستراحة نكمل الحديث ... أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم .

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين ، ولا عدوان إلا علي الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الأمين ، صلي الله عليه وعلي آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين . أما بعد ..

أيها الأخوة المؤمنون : نكمل معكم الحديث ...

علق النبى (ص) هذه المفاوضات حتى يعرض هذا الاتفاق على الصحابة (ض) ، وخاصةً سعد بن معاذ وسعد بن عبادة سيدي الأوس والخزرج ، 

فلماذا هذان الرجلان بالذات سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ؟

أولا : لأن ثمار المدينة التي ستكون ثمنا لفك الحصار ليست ملكًا للرسول (ص)، رغم أنه هو زعيم وقائد الدولة الاسلامية ، ورغم أنه هو النبى المطاع ، ، ولكنه يحترم تمامًا الملكية الشخصية للأفراد، وهذه الثمار ملكية شخصية للأوس والخزرج .

ثانيا : لأن غطفان تسكن بالقرب من المدينة ، ومن ثَمَّ فهما أدرى الناس بهم وبما يصلح معهم . لذلك  بعد اجتماع الرسول (ص) مع زعماء غطفان، قام باجتماع آخر بسرعة مع السعديْن: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وعرض عليهما الاتفاق الذي وصل إليه مع زعماء غطفان، وكان رسول الله (ص) يعتقد أن هذا العرض عرض مغرىٍ لإنقاذ المدينة من الحصار (كان هذا بعد نحو شهر من الحصار)، فماذا كان رد فعل زعيمي الأوس والخزرج؟

قال سعد بن معاذ (ض) بمنتهى الحكمة: يا رسول الله أمرًا تحبه فنصنعه، أم شيئًا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا ؟ فطبعا وبالتأكيد لو كان أمر من الله أو رسوله لما جاز لسعد  أن يفكر فيه أو يناقشه أصلا، فلا بد من السمع والطاعة، أما إن كان رأيًا بشريًّا فيمكننا حينئذٍ مناقشته، وعرض الرأي فيه. فقال لهم رسول الله : "بَلْ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ، وَاللَّهِ مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إِلاَّ لِأَنِّي رَأَيْتُ الْعَرَبَ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَكَالَبُوكُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ مِنْ شَوْكَتِهِمْ".

فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا وهؤلاء معا فى الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وكانوا لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعًا أو فيضًا، أفحينما كرمنا الله بالإسلام، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.

أعجب الرسول (ص) برأي سعد إعجابا شديدا على الرغم من مخالفته لرأيه، وقال له: "أَنْتَ وَذَاكَ". وبعث رسول الله (ص) الى زعماء غطفان، وأعلمهم برأي أصحابه  ورفضهم  للمساومة. فكان  رأي السعدين في منتهى الحكمة، فهى ليست نظرة متهورة غير مدروسة بل هي رؤية حكيمة ،

فلو قبل المسلمون بإعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة لطمعت فيهم قبيلة غطفان ، فليست المشكلة فى ثلث ثمار المدينة، ولكن المشكلة أن صورة الدولة الإسلامية ستهتز أمام  غطفان ، وستهتز أمام الجزيرة العربية بكاملها، ، وسيفتح هذا الباب الابتزاز المستمر للمدينة المنورة ، فكلما احتاجوا إلى مال جاءوا المدينة.

فكان القرار في منتهى الحكمة، وأقره الرسول (ص) دون تردد، فالشورى أصل من أصول الحكم في الإسلام، وكان من الممكن أن يوحي الله (س) بهذا الرأي إلى رسوله (ص) مباشرة، ولكن حدوث هذه القصة بهذه الصورة يرسخ في نفوس المسلمين مبدأ الشورى ..

وفى الجمعة القادمة بإذن الله تعالى إن قدر لنا البقاء واللقاء سوف نتحدث عن هزيمة الأحزاب بدون قتال ...

اللهم صلِّي وسلّم وبارك علي عبدك ورسولك محمدا، وارضَ اللّهمّ عن خلفائه الراشدين الأئمّة المهديّين: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، ومَن تبِعهم بإحسانٍ إلي يومِ الدّين، واجعلنا معهم بمنّك وفضلك وجودك وإحسانك وكرمِك يا أرحم الراحمين.

- اللّهمّ أعزَّ الإسلام والمسلمين. وأذلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداءَ الدين، واجعَل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين...

- اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه وصلي الله علي سيدنا محمد وعلي اله وصحبه وسلم ...- أيّها المسلمون إن الله يأمركم بثلاثة وينهكم عن ثلاثة ....  {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَي وَيَنْهَي عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90اذكروا الله واقم الصلاة ...

 

Post a Comment

أحدث أقدم