هزيمة الاحزاب في غزوة الخندق
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه
ونستغفره . ونعوذ بالله من شرور انفسنا
ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ..
واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله وصفيه من
خلقه وحبيبه .. بلغ الرسالة وأدي الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة . أما بعد ............
أيها
الأخوة المؤمنون: نكمل معكم سلسلة القصص في سيرة
الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم ..
وكما قلنا من قبل الحديث في السيرة ليس عبارة عن قصص للتسلية وتضييع الوقت
إنما هي للعبر والدروس ،
أيها
الأخوة المؤمنون : تحدثنا في خطبة سابقة عن محاولة فك الحصار عن المدينة
في غزوة الخندق ... ، وفى هذه الخطبة بإذن الله تعالى سوف نتحدث عن هزيمة الاحزاب في
غزوة الخندق بدون قتال ...
أيها
الأخوة المؤمنون : اشتد الكرب على
المسلمين ، فهم محاصرون اكثر من شهر، وقريش والقبائل العربية خارج الخندق يتحينون
الفرصة للدخول الى المدينة ، والمنافقون تراجعوا عن القتال وظلوا يثبطوا في
المسلمين ويخوفونهم من القتال ، ويهود بنى قريظة داخل المدينة نقظوا العهد مع النبى (ص) وتحالفوا مع المشركين
مثل باقى اليهود خارج المدينة ، ماذا يفعل المسلمون ؟؟ ماذا يفعل
رسول الله (ص) ، كيف يفك هذا الحصار ؟؟ كيف يفك هذا التحالف ؟؟ الرسول (ص) بشر ولم
يأتيه وحى من السماء يقول له إفعل كذا أو كذا ، فالرسول (ص) ظل يفكر بعقليته
البشرية ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم
يخطط لمجابهة هذه الظروف ، فكر رسول الله (ص) في فك
التحالف من خلال العرض المادي واغراء قبيلة غطفان بالمال ، لأنهم أتوا للقتال من
أجل المال الذى أغراهم به اليهود ، ثم عرض الرسول (ص) الأمر على السعدين ، سعد بن
معاذ وسعد بن عبادة سيدي الأوس والخزرج ، ولكنهما رفضا هذا العرض ، وقلنا
السبب في ذلك ، ووافق الرسول (ص) على رأيهما ، ورأى أن رأيهما صواب ، فظل المسلمون
على هذا الحال حتى يأتي نصر الله ،
فلقد بذل المسلمون كل جهدهم فحفروا
الخندق في وقت قصير ، وتحملوا في سبيل الله الجوع والبرد ، حموا الخندق، ودافعوا
عنه بأرواحهم، قاتلوا بضرواة، تعبوا، كافحوا ، واجتهدوا في الدعاء؛ لأن النصر من
عند الله ، كان المسلمين يدعون الله تعالى أيام الأحزاب يقولون: اللهم استر
عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وكان النبى (ص) يقول: "اللُّهُمَّ
مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ هازِمِ الْأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ
اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ".
فبعد أن بذل المسلمون كل طاقتهم،
ووسعهم ومحاولاتهم، يأتيهم نصر الله ، ويأتيهم بطريقة إلهية، وترتيب رباني، حتى
يعلم الجميع، ويوقنوا أن النصر من عند الله، وجاء جنود الرحمن في الأحزاب، وسنتحدث
عن ثلاثة جنود فقط من جنود الرحمن ..
وبعد جلسة الاستراحة نكمل الحديث ...
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم .
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين ، ولا عدوان إلا علي الظالمين ، وأشهد أن
لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الأمين ،
صلي الله عليه وعلي آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين
. أما بعد ..
أيها
الأخوة المؤمنون : نكمل معكم الحديث ...
الجندي الأول: نعيم بن
مسعود : نعيم بن
مسعود رجل من المشركين لا يتوقع إسلامه أبدًا في هذا التوقيت، بل يكاد يكون
مستحيلا، ذلك أنه من قبيلة غطفان المحاصرة للمسلمين، كيف لرجل من الجيش القوي
المحاصر للمسلمين، بعد أن مر شهر على الحصار، وقد ينهار المسلمين في أي لحظة وخاصة
بعد خيانة اليهود، كيف له أن يترك جيشه القوي لينضم لجيش المسلمين الضعيف المهدد
بالانهيار في أي لحظة ؟! جاء نعيم بن مسعود إلى الرسول (ص) يقول له: يا رسول
الله، إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني ما شئت. فقال له رسول الله
(ص) : "إِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذِّلْ
عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ". ولم يأمره بشيء
يعمله ، ولكن يشاء الله أن يلهم نعيم بن مسعود بفكرة لم ترد على ذهن أحد من
المسلمين، ولا رسول الله نفسه، ونعيم بن مسعود شخصية قيادية معروف عند اليهود
وعند قريش، فذهب مباشرة إلى يهود بني قريظة وقال لهم، وهم يعتقدون أنه مشركً،
ويعلمون أنه من قادة غطفان، فله معرفة بواقع الأمور وما يجري خلف الأبواب، قال
لهم: قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا: صدقت. قال نعيم : فإن
قريشًا ليسوا مثلكم، البلد بلدكم، فيه أموالكم ونساؤكم وأبناؤكم، ولا تقدرون أن
تتحملوا منه إلى غيره، وإن قريشًا قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم
عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن أصابوا فرصة انتهزوها (أي لو انتصروا) ،
وإن هزموا لحقوا ببلادهم وتركوكم ومحمدًا، فانتقم منكم . فقالوا: وما العمل يا
نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا: لقد أشرت بالرأي ، ثم ذهب
نعيم إلى قريش مباشرةً، وقال لهم: تعلمون ودي لكم ونصحي لكم. قالوا: نعم. فقال: إن
يهود بنى قريظة قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمدٍ وأصحابه، وإنهم قد
راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثم يوالونه عليكم، فإن سألوكم رهائن
فلا تعطوهم . ثم ذهب إلى قبيلته غطفان وقال لهم نفس الكلام.... قريش شعرت بالقلق وكذلك غطفان، فأرسلوا رسالة
سريعة إلى اليهود وبتدبير رب العالمين كانت هذه الرسالة يوم السبت ، ويوم السبت
اليهود لا يقومون فيه بأى عمل ، قالت قريش لليهود: إنا لسنا بأرض مقام ، وقد هلك
الكراع والخف (أي تعبنا من الانتظار والمؤن أوشكت أن تنفذ )، فانهضوا بنا حتى نقاتل
محمدا. فرفض اليهود وقالوا : اليوم يوم السبت لا نقاتل فيه ، وقالوا: ولا نقاتل
معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن ، فقالت قريش
وغطفان: صدقكم والله نعيم ، فبعثوا إلى اليهود، وقالوا: إنا والله لا نرسل إليكم
أحدً، فانهضوا معنا نقاتل محمدًا. فقالت اليهود: صدقكم نعيم لأنهم رفضوا أن يعطوكم
رهائن . فدبت الفرقة بين الفريقين، وتفتت الأحزاب ، وهكذا، فبحكمة الله وتدبيره،
أن يسلم نعيم بن مسعود في هذا الوقت، ويلهمه الله هذه الفكرة التي ينجح بها في
تفتيت الأحزاب، ورد كيدهم ..
الجندي الثاني: الريح : والريح
جندي هائل من جنود الرحمن، فلقد بعث الله (س) ريحًا شديدة وقاسية البرودة على
معسكر الكافرين لم تترك لهم خيمة إلا واقتلعتها، ولم تترك قِدرًا إلا قلبته، ولم
تترك نارًا إلا أطفأتها، فاتخذ المشركين قرار العودة دون قتال وفك الحصار.. {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ
كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82].
نسأل أنفسنا سؤال ، لماذا لم تأت
الريح منذ اليوم الأول؟! لماذا انتظرت شهرًا كاملا؟!
كان ذلك لكي يمتحن المؤمنين، ويتميز
الصادق من الكاذب، والمؤمن الصادق من المنافق.
الجندي الثالث: الملائكة
: يقول الله
(س): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا
نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب:
9] ، بعد حدوث هذه الريح الشديدة ، أرسل رسول الله (ص) حذيفة بن اليمان إلى
معسكر الكفار ليطمئن على سير الأحداث ويعرف الاخبار وعلى فعل الرياح بهم وعلى أثر
الفرقة التي أحدثها نعيم بن مسعود، فعاد حذيفة بالخبر الجميل وبالنصر العظيم فلقد
عزم الجميع على الرحيل ، وانتصر المسلمون بدون قتال ، قال تعالى: {وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ
يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا
عَزِيزًا} [الأحزاب:25]. ، كانت غزوة الخندق من أعظم معارك المسلمين مع أنه
لم يحدث فيها قتال، وكان الله يريد أن يميز الخبيث من الطيب ، ويميز الصادق
من الكاذب ، وكأن الله (س) يقول لنا، ليس
المطلوب هو تحقيق النصر، ولكن المطلوب هو العمل من أجله، فالنصر يأتى بالطريقة
التي يريدها رب العالمين، وفي الوقت الذي يريده سبحانه وتعالى .
وفى الجمعة القادمة بإذن الله تعالى إن قدر لنا البقاء واللقاء
سوف نتحدث عن غزوة بنى قريظة ....
اللهم صلِّي وسلّم وبارك علي عبدك ورسولك محمدا، وارضَ اللّهمّ
عن خلفائه الراشدين الأئمّة المهديّين: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وعن سائر
الصحابة أجمعين، ومَن تبِعهم بإحسانٍ إلي يومِ الدّين، واجعلنا معهم بمنّك وفضلك
وجودك وإحسانك وكرمِك يا أرحم الراحمين.
- اللّهمّ أعزَّ الإسلام والمسلمين. وأذلَّ الشركَ والمشركين،
ودمِّر أعداءَ الدين، واجعَل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد
المسلمين ...
- اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا
وارزقنا اجتنابه وصلي الله علي سيدنا محمد وعلي اله وصحبه وسلم ...- أيّها
المسلمون إن الله يأمركم بثلاثة وينهكم عن ثلاثة
.... {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَي وَيَنْهَي عَنِ الْفَحْشَاء
وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90اذكروا الله واقم
الصلاة ...
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً
وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً{9} إِذْ
جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا{10}
هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً{11}
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي
قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً{12}
وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ
فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ
بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً{13}
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ
لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً{14}

إرسال تعليق