صلح الحديبية الخطبة الثانية
إن الحمد لله
نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره . ونعوذ
بالله من شرور انفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن
تجد له وليا مرشدا .. واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا
عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه .. بلغ الرسالة وأدي الأمانة ونصح الأمة وكشف
الله به الغمة . أما بعد ............
أيها الأخوة المؤمنون: نكمل معكم سلسلة القصص في سيرة الحبيب المصطفي صلي
الله عليه وسلم .. وكما قلنا من قبل
الحديث في السيرة ليس عبارة عن قصص للتسلية وتضييع الوقت إنما هي للعبر والدروس ،
أيها الأخوة المؤمنون : في الخطبة السابقة تحدثنا عن رؤية النبى (ص) أنه اعتمر بالبيت الحرام ، وخرج هو وأصحابه للعمرة
وليس للقتال ، ولكن قريش منعتهم من دخول مكة ، ثم كانت وساطات بين المسلين وقريش ،
ثم ارسل رسول الله (ص) عثمان بن عفان (ض) الى قريش ليعرض لهم الامر، فتأخر عثمان
في مكة ثلاثة أيام (بضعة ايام) ثم أشيع أن عثمان قتل ...
أشيع أن عثمان بن
عفان قتل ، فلماذا أشيع هذا الخبر ؟؟
عندما ذهب عثمان
الى مكه رحبوا به ، ولكن احتبسوه عندهم بضعة أيام ، ولعلهم أرادوا أن يتشاوروا فيما بينهم ، ويبرموا أمرهم، ثم يردوا
عثمان بجواب ما جاء به من الرسالة ـ وطال الاحتباس، فشاع بين المسلمين أن عثمان
قتل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغته الإشاعة : (لا نبرح حتى نناجز القوم)، ثم دعا أصحابه إلى
البيعة على القتال ، فبايعوه على ألا يفروا، وبايعته جماعة على الموت، وأول من
بايعه أبو سنان الأسدي، وبايعه سلمة بن الأكوع على الموت ثلاث مرات، في أول الناس
ووسطهم وآخرهم ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه وقال: (هذه عن
عثمان) ، ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا رجل من المنافقين يقال له: جَدُّ بن
قَيْس........
أخذ رسول الله
صلى الله عليه وسلم هذه البيعة تحت شجرة، وكان عمر آخذا بيده، ومَعْقِل بن يَسَار
آخذا بغصن الشجرة يرفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه هي بيعة الرضوان
التي أنزل الله فيها: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ
عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}الآية
[الفتح: 18] .... بعدما رجع عثمان بن عفان ، أخبر النبى (ص) أن قريش ترفض
دخول المسلين مكة للعمرة ...
ولكن قريش تريد
الصلح فأرسلت قريش سُهَيْل بن عمرو لعقد
الصلح بينهم وبين المسلمين ، وأكدت لسهيل أن يخبر محمدا أن يرجع هذا العام ، حتى لا تتحدث العرب عنهم وتقول أن
محمدا دخل مكة عنوة (أي بالقوة رغما عنهم ) ، فجاء سهيل بن عمرو الى النبى (ص) ،
فلما رآه النبى (ص) قال: (قد سهل لكم أمركم)،
فجاء سهيل فتكلم طويلاً، ثم اتفق مع النبى (ص) على بنود الصلح ، ، فما هي بنود صلح الحديبية ؟؟
وبعد جلسة
الاستراحة نكمل الحديث ... أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم .
الخطبة
الثانية
الحمد لله رب العالمين ، ولا عدوان إلا علي
الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله، الصادق الأمين ، صلي الله عليه وعلي آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، ومن
تبعهم بإحسان إلي يوم الدين . أما بعد ..
أيها الأخوة
المؤمنون : نكمل معكم الحديث عن صلح الحديبية
...
ما هي
بنود صلح الحديبية ؟؟
2. تضع الحرب أوزارها بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها
الناس، ويكف بعضهم عن بعض.
3. من أحب من القبائل أن يدخل في حلف محمد دخل فيه ، ومن أحب من
القبائل أن يدخل في حلف قريش دخل فيه، وتعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي
الفريقين جزءاً من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر
عدواناً على ذلك الفريق ....
4. من أتي من قريش مسلما الى محمداً من غير إذن وليه ـ أي هارباً
منهم ـ رده محمد اليهم، ومن جاء ممن مع محمد ـ أي هارباً منه ـ الى قريش لا ترده قريش لمحمد .
فوافق رسول الله (ص) على هذا
الاتفاق وهذا الصلح ، ثم دعا علياً ليكتب الكتاب، فأملي عليه (ص) : (بسم الله الرحمن
الرحيم) ، فقال سهيل: أما الرحمن فوالله لا ندري ما هو؟ ولكن اكتب: باسمك
اللّهم ... فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا بذلك. ثم أملي (ص) عليا وقال :
(هذا ما صالح عليه محمد رسول الله) ، فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله ما
صددناك عن البيت ، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله فقال (ص) : (إني رسول الله وإن كذبتموني)، وأمر علياً أن يكتب:
محمد بن عبد الله، ويمحو لفظ رسول الله، فأبي على أن يمحو هذا اللفظ . فقال
النبى (ص) لعلى أرينيه ياعلى ، فمحاه صلى الله عليه وسلم بيده، ثم تمت كتابة
الصحيفة ،
وبينما الكتاب
يكتب إذ جاء أبو جَنْدَل بن سهيل يجر قيوده ، فقد خرج من أسفل مكة حتى رمي بنفسه
بين ظهور المسلمين ، فقال سهيل للنبى (ص) : هذا أول ما أقاضيك عليه على أن ترده
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا لم نقض الكتاب
بعد) ، فقال سهيل : فوالله
إذا لا أقاضيك على شيء أبداً ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فأجزه لي). قال سهيل : ما أنا بمجيزه لك.
قال النبى (ص) : (بلى فافعل)، قال: ما
أنا بفاعل ، ثم ضرب سهيل ابنه أبا جندل في وجهه، وأخذ بتلابيبه وجره ؛ ليرده إلى
المشركين ، فصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين
يفتنوني في ديني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من
المستضعفين فرجاً ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على
ذلك، وأعطونا عهد الله فلا نغدر بهم).
فوثب عمر بن
الخطاب رضي الله عنه مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما
هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب ، ويدني قائم السيف منه،
يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضن الرجل بأبيه ، ونفذت القضية ...
حزن كثير من
المسلمين من هذا الصلح ، لسببين : السبب الأول أن رسول الله (ص) كان قد أخبرهم وقال
لهم : أنا سنأتي البيت فنطوف به، فلماذا يرجع ولم يطفوف بالبيت ... والسبب الثانى
: لماذا قبل رسول الله (ص) هذا الصلح وقبل إصرار قريش على رجوعهم هذا العام والله
وعده بإظهار دينه ، لماذا يقبل رسول الله (ص) بأن من اسلم بدون إذن أهله يرده اليهم ، ومن يرجع
عن دين محمد لاترده قريش !!
وكان أعظمهم
حزناً عمر بن الخطاب، فقد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله،
ألسنا على حق وهم على باطل؟ قـال: (بلى). قـال:
أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: (بلي).
قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟
قال: (يا ابن الخطاب، إني رسول الله ولست أعصيه، وهو
ناصري ولن يضيعني أبداً). قال: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت
فنطوف به ؟ قال: (بلي، فأخبرتك أنا نأتيه
العام؟) قال: لا. قال: (فإنك آتيه
ومطوف به) ، ثم انطلق عمر متغيظا فأتي أبا بكر، فقال له كما قال لرسول
الله صلى الله عليه وسلم، ورد عليه أبو بكر، كما رد عليه رسول الله صلى الله عليه
وسلم سواء، وزاد أبو بكر: فاستمسك بغَرْزِه حتى تموت ، فوالله إنه لعلى الحق.
ولما فرغ رسول
الله صلى الله عليه وسلم من كتابة معاهدة الصلح قال: (قوموا
فانحروا) ، فما قام منهم أحد حتى قال (ص) ثلاث مرات (قوموا فانحروا) ، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل
على أم سلمة ، فذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت: يا رسول الله، اخرج، ثم لا
تكلم أحداً كلمة حتى تنحر ، وتدعو حالقك فيحلق لك، فقام (ص) فخرج فلم يكلم أحداً
منهم حتى نحر بُدْنَه، ودعا حالقه فحلق له، فلما رأي الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل
بعضهم يحلق لبعض ، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً بالمغفرة
وللمقصرين مرة.
ثم نزلت: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا...} إلخ
[سورة الفتح:1]، وفيها قول الله تعالى : لَقَدْ
صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ
إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ
فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً{27} ...
ثم أرسل رسول
الله إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول الله، أو فتح هو؟ قال: (نعم). فطابت نفسه ورجع عن حزنه ، ثم ندم عمر على ما فرط منه ندماً شديداً، قال
عمر: فعملت لذلك أعمالاً، مازلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ ،
مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً ، وفى الجمعة القادمة بإذن
الله تعالى إن قدر الله لنا البقاء واللقاء نكمل الحيث عن صلح الحديبية .....
- اللّهمّ أعزَّ الإسلام والمسلمين.
وأذلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداءَ الدين، واجعَل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًّا
سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين ...
-
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه وصلي الله
علي سيدنا محمد وعلي اله وصحبه وسلم ...- أيّها المسلمون إن الله
يأمركم بثلاثة وينهكم عن ثلاثة .... {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي
الْقُرْبَي وَيَنْهَي عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90اذكروا الله واقم الصلاة ...

إرسال تعليق