فتح مكة
إن الحمد لله نحمده
ونستعينه ونستهديه ونستغفره . ونعوذ بالله
من شرور انفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له
وليا مرشدا .. واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده
ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه .. بلغ الرسالة وأدي الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به
الغمة . أما بعد ............
أيها الأخوة
المؤمنون: نكمل معكم سلسلة القصص في سيرة الحبيب
المصطفي صلي الله عليه وسلم .. وكما قلنا
من قبل الحديث في السيرة ليس عبارة عن قصص للتسلية وتضييع الوقت إنما هي للعبر
والدروس ،
أيها الأخوة
المؤمنون : فى هذه الخطبة سوف نتحدث بإذن الله تعالى عن فتح مكة
أيها الأخوة
المؤمنون : ماهو سبب فتح
مكة ؟؟
قد ذكرنا في صلح
الحديبية أن الحرب بين قريش والمسلمين تضع أوزارها عشرة سنوات ، وكان من بنود
الصلح أنه من أحب من القبائل أن يدخل في حلف محمد صلى الله عليه وسلم دخل فيه، ومن
أحب أن يدخل في حلف قريش دخل فيه، وأن القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين تعتبر
جزءاً من ذلك الفريق ، فأي عدوان تتعرض له أي من تلك القبائل يعتبر عدواناً على
ذلك الفريق ... وحسب هذا البند دخلت خُزَاعَة في حلف رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، ودخلت بنو بكر في حلف قريش ، وقد كان بين القبيلتين عداوة في الجاهلية ،
فلما جاء الإسلام، ووقعت هذه الهدنة أمن كل فريق من الآخر ، ولكن بنو بكر، حلفاء
قريش خانوا العهد فأغاروا على خزاعة ليلاً، وخزاعة حلفاء النبى (ص) ، وأعانت قريش
بني بكر بالسلاح والرجال ، ثم خرج نفر من خُزَاعَة، حتى قدموا على رسول الله صلى
الله عليه وسلم المدينة، فأخبروه بمن أصيب منهم، وبمساعدة قريش بني بكر عليهم، ثم
رجعوا إلى مكة....
ولا شك أن ما
فعلته قريش وحلفاؤها كان غدراً ونقضاً صريحاً للمعاهدة ، ولذلك سرعان ما أحست قريش
بغدرها، وخافت وشعرت بعواقبه الوخيمة، فعقدت مجلساً استشارياً، وقررت أن تبعث
قائدها أبا سفيان ممثلاً لها ليقوم بتجديد الصلح ...
وفعلا ذهب أبو
سفيان مسرعا الى المدينة ، وأراد أن يكلم رسول الله (ص) في تجديد المعاهدة بعد
نقضها من قريش ، لكن رسول الله (ص) لم يرد عليه شيئاً، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه
أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أنا بفاعل ، ثم أتي عمر بن
الخطاب فكلمه، ثم ذهب الى على بن أبي طالب، فقال: يا علي، إنك أمس القوم بي
رحماً، وإني قد جئت في حاجة، فلا أرجعن كما جئت خائباً، اشفع لي إلى محمد، فقال
على: ويحك يا أبا سفيان، لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما
نستطيع أن نكلمه فيه....
وحيئذ أظلمت
الدنيا أمام عيني أبي سفيان، ثم ركب بعيره، وانطلق الى مكة .
ولما قدم على
قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمداً فكلمته، فوالله ما رد على شيئاً، ثم
جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيراً، ثم جئت عمر بن الخطاب، فوجدته كذلك، ثم جئت
علياً ولكن لم أجد شيئا غير الرجوع الى مكة ...
وبعد جلسة الاستراحة
نكمل الحديث ... أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم .
الخطبة
الثانية
الحمد لله رب العالمين ، ولا عدوان إلا علي
الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله، الصادق الأمين ، صلي الله عليه وعلي آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، ومن
تبعهم بإحسان إلي يوم الدين . أما بعد ..
أيها الأخوة
المؤمنون : نكمل معكم الحديث عن فتح مكة
وفى اليوم
العاشر من شهر رمضان المبارك 8 هـ، غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة
متجهاً إلى مكــة، في عشرة ألاف من الصحابة رضي الله عنهم، واستخـلف على المدينة
أبا ذر الغفاري (ض) .
ولما وصل (ص)
الى منطقة تسمى الجُحْفَة ـ قبل مكة ـ لقيه عمه العباس بن عبد المطلب، وكان قد خرج
بأهله مسلماً مهاجراً، ثم لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبواء لقيه ابن
عمه أبو سفيان ابن الحارث وابن عمته عبد الله بن أبي أمية، فقد أسلما ، فأعرض عنهما (ص) ، لما كان يلقاه منهما من شدة
الأذي والهجو، فقالت له أم سلمة: لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقي الناس بك يا
رسول الله . وقال على لأبي سفيان بن الحارث: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم
من قبل وجهه، فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: {قَالُواْ
تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}
[يوسف:91] ، ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ
اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف:92 ... ثم ركب العباس عم رسول الله (ص) ركب بغلة رسول الله (ص) وتقدم تجاه
مكة فقابله أبو سفيان بن حرب ، وكان أبو سفيان يخرج يتجسس الأخبار، ودار حوار بين العباس وأبو سفيان
حتى أقنعه أن يركب معه البغلة ويذهب به الى رسول الله (ص) ،
ومر به العباس على
كثير من المسلمين ، حتى مروا على عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إليهم ،
فلما رأي أبا سفيان على الدابة قال عمر: أبو سفيان، عدو الله؟ الحمد لله الذي
أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم توجه عمر نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركضتُ
البغلة فسبقت عمر، قال العباس : فنزلناعن البغلة، فدخلت على رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ودخل عليه عمر، فقال عمر: يا رسول الله، هذا أبو سفيان فدعني أضرب
عنقه،
قلت: يا رسول
الله، إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه،
فقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به)،
فذهبت، فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: (ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا
الله؟) قال أبو سفيان: ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ؟ لو كان مع الله
إله غيره لكان أغني عني .
قال (ص): (ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟)،
قال أبو سفيان : ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، فقال له العباس: ويحك يا أبا سفيان ،
أسلم واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ، فأسلم أبو سفيان وشهد
شهادة الحق . قال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له
شيئاً. قال (ص): (نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو
آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن).
وفي صباح يوم
الثلاثاء السابع عشر من شهر رمضان سنة 8 هـ ـ غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم من
الظهران إلى مكة، وأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة، وصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش،
هذا محمد، قد جاءكم فيما لا قبل لكم به. فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن
أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى
المسجد الحرام ...
دخل رسول الله
صلى الله عليه وسلم مكة، والمهاجرون والأنصار من حوله، حتى دخل المسجد، فأقبل إلى
الحجر الأسود، فاستلمه، ثم طاف بالبيت، وفي يده قوس، وحول البيت ثلاثمائة وستون
صنما، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول: {جَاء الْحَقُّ
وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}[الإسراء:81]،
{قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ
وَمَا يُعِيدُ} [سبأ:49] والأصنام تتساقط على وجوهها.
وطاف (ص)
بالكعبة ، فلما أكمل الطواف دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها
ففتحت فدخلها، فرأي فيها الصور، ورأي فيها صورة إبراهيم، وإسماعيل ـ عليهما السلام
ـ يستقسمان بالأزلام، فقال (ص) : (قاتلهم الله،
والله ما استقسما بها قط). ورأي في الكعبة حمامة من عيدان، فكسرها
بيده، وأمر بالصور فمحيت ، ثم أغلق عليه الباب،
ثم صلي في الكعبة ، ثم دار فيه ، وكبر في نواحيه، ووحد الله، ثم فتح
الباب، وقريش قد ملأت المسجد صفوفاً ينتظرون ماذا يصنع بهم ؟ فأخذ بعضادتي الباب
وهم تحته، فقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم
الأحزاب وحده، يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية ، الناس من آدم،
وآدم من تراب ثم تلا هذه الآية: {يا أيها
الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند
الله أتقاكم إن الله عليم خبير}. ثم قال (ص): (يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟) قالوا:
خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: (فإني أقول لكم
كما قال يوسف لإخوته: {
{قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ... }يوسف92 } اذهبوا فأنتم الطلقاء) ، ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومفتاح الكعبة في
يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أين عثمان بن طلحة؟) ، فدعي له،
فقال له: (هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر
ووفاء)، وقال : (خذوها خالدة تالدة، لا
ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم
من هذا البيت بالمعروف) ، والى يومنا هذا مفتاح الكعبة مع نسل عثمان بن طلحة
....
وحانت الصلاة،
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا أن يصعد فيؤذن على الكعبة،
و قام رسول الله
صلى الله عليه وسلم في الناس خطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه، ومجده بما هو أهله،
ثم قال: (أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق
السموات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله
واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً، أو يعضد بها شجرة،
ولما أتم الله
(س) فتح مكة على الرسول صلى الله عليه وسلم - وهي بلده ووطنه ومولده - قال الأنصار
فيما بينهم: أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده أن
يقيم بها – وكان (ص) على الصفا رافعاً يديه يدعو الله - فلما فرغ من دعائة قال: (ماذا قلتم؟) قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم
يزل بهم حتى أخبروه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم).....
بعدما فتح الله
مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، تبين لأهل مكة الحق، وعلموا أنه
لا سبيل إلى النجاح إلا الإسلام، فأذعنوا له، واجتمعوا للبيعة، فجلس رسول الله صلى
الله عليه وسلم على الصفا يبايع الناس، فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا
، ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يومًا يجدد معالم الإسلام،
ويرشد الناس إلى الهدى والتقى، وأمرهم بتحطيم الاصنام ..........
اللهم صلِّي وسلّم وبارك علي عبدك ورسولك
محمدا، وارضَ اللّهمّ عن خلفائه الراشدين الأئمّة المهديّين: أبي بكر وعمر وعثمان
وعليّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، ومَن تبِعهم بإحسانٍ إلي يومِ الدّين، واجعلنا
معهم بمنّك وفضلك وجودك وإحسانك وكرمِك يا أرحم الراحمين .
- اللّهمّ أعزَّ الإسلام والمسلمين. وأذلَّ
الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداءَ الدين، واجعَل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًّا سخاءً
رخاءً وسائر بلاد المسلمين ...
-
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه وصلي الله
علي سيدنا محمد وعلي اله وصحبه وسلم ...- أيّها المسلمون إن الله
يأمركم بثلاثة وينهكم عن ثلاثة .... {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَي وَيَنْهَي عَنِ الْفَحْشَاء
وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90اذكروا الله واقم الصلاة ...

إرسال تعليق